كتاب الحقيقة

الحياة اليومية تعبير واقعي عن المواطنة

حازم لعيبي

في اللحظة الراهنة هذه، لا يوجد تعريف واقعي وموضوعي ومقبول من الجميع، كما لا يوجد حتى تلميح قانوني او عرفي عملي ومرن يعتني بمعنى المواطنة العراقية. خاصةً ان أكثر من عشر سنوات تقاتل وصراع وانفجارات وتصفيات صارت ميزة حياتية يومية وروتينا اعتاديا أخذ وما زال يأخذ تغذيته من مجتمعات قبلية وطائفية طارئة وخارجية تدفعها تراجعاً لعبة المصالح.
مجتمعات يراد لها أن تتفكر علناً بأصغر من وطن، مجموعة من الاوطان متنافرة بحدود ثانوية، تراها تجتمع تحت سقف سماء واحدة وتختلف على أرض الواقع، لا يحتكم ساستها لقوانين الارض الصارمة والحكيمة بتنازعاتهم، وبدلاً من البحث في المتشابهات نراهم يبحوشون عن الاختلافات رغم ان ما يجمعنا في المتشابهات على ارض الواقع كثير وغني، لكن السادة مدفوعي الثمن لا يريدون للعبيد الطيبين ان يتشابهوا.
هل فكرت قيادات المجتمع بنومة القيلولة على بَرَاد هواء المبردة أو النوم على سطح الدار في ايام الربيع والخريف؟، وكم يحب العراقيون نهر دجلة والفرات وتفرعاتها والسباحة بها؟، هل فكر عباقرتنا بحب ابناء النهرين للغزل والتغزل وكم روح العشق تجتاح نفوس الشباب والشابات وتراهم يمارسون رياضة المشي ذهاباً واياباً في الاسواق الشعبية يتغزلون بالبنات، هل خطر بذهن القادة كم يتشابه ابناء البلد بحب الرياضة وخاصة كرة القدم؟
كثيرة تلك المتشابهات غير المتنازع عليها كالأعياد، وصور الاباء المعلقة على حائط غرفة الضيوف، وزراعة الحديقة بورد الجوري، ومكتبة الكتب، وأغاني الريف، وحفلات الاعراس، ولعب الاطفال بالشوارع العاباً شعبية، وأكل لفات الفلافل بالعمبة، والذهاب الى بيت جدي في العيد، او بيت بيبيتي، وتجمع الشباب بالركن، ومواعيد المستوصفات والعشق الاول، والحصول على العلامات كاملة والاول مكرر، ورفع الاصبع في الصف، ورسم بيت ونخلة وشمس، وكتابة الانشاء عن حب الوطن، والعمل بالعطلة الصيفية، قائمة لاتنتهي مما يشبهنا مع غيرنا الذي يعتقد من يعتقد اننا نختلف ولا نأتلف معهم.
كل هؤلاء الذين يبحثون عن اشياء تفرق المجتمع وتبحث في جمعه بالتفريق ويعتقدون بألاختلاف خلقوا نموذجاً مجتمعيا عدوانياً وشريراً، ومدناً لا يجمعها وعي ثقافي صحيح وصحي. حتى النخب صار بها مس حاد وانفعالي جراء اللغة الطائفية المنتشرة كوباء، لذلك ليس غريباً ان يقع ممثلو الطبقة الوسطى من المجتمع تحت قوة معادلة ممغنطة بالسالبية المنفرة حسب قوانين الفيزياء والمعادلة تولدت وتقوت بعد عام 2003 وصار لها مريدون ممن يجيدون العلاقات العامة ويتفننون في وضع المختلف بدلاً من المؤتلف في سلة الحياة العامة.
الى ان كل ما يحدث على أرض الواقع ليس سوى تفتيت وتضييع وهمي لمفهوم المواطنة وبالتالي لا إرادياً وبمرور الوقت ستتموضع المختلفات على شكل تقسيمات مجتمعية قسرية غير محكومة بقوانين وان كانت لا تعتمد الموضوعية ولا العقلانية ستتحول الى ظاهرة تدفع للأسف بانكسار افراد طالما دافعوا بسلوكهم ومواقفهم وتجاربهم الوطنية عن بلاد ما بين النهرين وقدموا لنا نموذج المواطن الحر الحالم بوطن حر، من لا يريد أية زيادة لسلطة المختلف الكاذبة على سلطة المؤتلف الحقة. لا نتمنى أن يختفي هذا المواطن الواقع تحت سلطة مواطنة اشياء متشابهة والتي يراها في كل ما نحبه ونعشقه ونمارسه في حياتنا اليومية وليس غريباً عن المجتمع العراقي، ويحل محله كائن لا يحب بلاد ما بين النهرين ويختلف في تحديد موقعها على خريطة القلب.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان