عبد المنعم الاعسم
بصرف النظر عن الاسباب التي اضطرت جموع عراقية الى اختيار منافٍ آمنة وكريمة لها، عوضا عن وطنها، فان خطورة هذا اللغم لا تتمثل فقط في العدد الذي يعيش في الخارج، بل وايضا في(اولا) النتائج الخطيرة لوجود قطاعات وكفاءات وطنية هائلة بعيدة عن مكانها الطبيعي في عملية تأهيل وبناء الوطن، وهي (او غالبيتها الساحقة) مستعدة لكي تلبي فروض العودة، و(ثانيا) في التشوّه الاجتماعي والسايكولوجي والثقافي الناتج عن حالة شعب ينشطر الى نصفين اعتباطيين، مقيم ومهاجر، تقاسما محن السياسة والصراعات، لكنهما يواجهان استعصاءات التواصل ونمو رابط المواطنة الطبيعي، وينبغي ان نستبق التحليل والاستطراد بالاشارة الى ما تعانيه دول في افريقيا واسيا من نتائج القطيعة الطويلة والقسرية بين مهاجريها وسكانها.
اما عدد افراد هذا “الشعب” العراقي الذي يقيم في الخارج فانه يتراوح بين اربعة ملايين في غالبية البيانات والتقديرات غير الرسمية، ومليونين ونصف في بيانات الحكومة العراقية والمنظمات الدولية، وحين نضيف له جيش النازحين عن بلداتهم الى بلدات اخرى، لاسباب أمنية وطائفية، والذي قدر من قبل الجهات الرسمية باكثر من مليوني عائلة فان مخزون هذا اللغم من عناصر الانفجار يمكن ان يرصد بالعين المجردة كونه تحصيل حاصل للتمزق في النسيج الوطني، ويمكن ان يذهب المراقب الى ان جميع المؤتمرات والاهابات والنداءات والمبادرات الرسمية (وحتى الدولية) لم تقدم وصفة ناجعة لاحتواء هذا الخطر الداهم.
ومما يزيد في تعقيد هذه المشكلة محاولات الحكومات السابقة لإعفاء نفسها من مسؤولية الدراسة والمعالجة والحل باختزال قضية الملايين المغتربة الى شريحة من الكفاءات الوطنية من اصحاب الشهادات والخبرات الاكاديمية، وتنظيم المؤتمرات لها وتكريمها بالاوسمة والعبارات والولائم والمضافات والوعود، فيما اصطدم الكثير من العائدين من هذه الشريحة بحزام كونكريتي من المصاعب والقوانين والاجراءات والمراجعات المضنية، ويضطر بعضهم الى إعلان هزيمته امام دواعي العودة الى الوطن.
اسماء كثيرة لحال العراقيين الذين فرضت عليهم احداث بلادهم السياسية والامنية والمعيشية ان يتركوا بلادهم فرضا واضطرارا (وليس سياحة او بحثا عن فرص عمل) الى مأوى آمن واكثر كرامة ما وراء الحدود، فهم المنفيون والمغتربون واللاجئون والهاربون والنازحون واهل الخارج، وطبعا، لكل صفة موصوف في خلفيات الاحداث وازمانها وحكوماتها واشكال الصراع التي كانت تتسبب في تحول هذا الحال الى ورم اجتماعي وسياسي خطير، يتفاعل يوما بعد يوم، ويرشح نفسه للانفجار إذا لم تضع الدولة خطة عملية وتعبوية وشاملة لمعالجته، وبالتعاون والتنسيق مع المجتمع الدولي وهيئاته والدول التي تستضيف وتأوي وتُجنّس شعب الخارج.
“الجنون هو أن تفعل ذات الشيء مرةً بعد أخرى وتتوقع نتيجةً مختلفةً”
اينشتاين





