كتاب الحقيقة

البصرة التي نحب.. المربد الذي نريد

 د. علي حداد

(1ـ2)
قرأنا قبل مدة تصريحاً لوكيل وزارة الثقافة الأستاذ (طاهر الحمود) عن النية في عقد (مهرجان المربد) في وقت قريب من أواخر شهرنا هذا الذي نحن فيه . ولا علم لنا إن كان الموعد ما يزال قائماً أم جرت مياه الظروف الراهنة عليه ، فعبرت به إلى جرف التأجيل حتى موعد آخر ، غير أن ذلك لايقف مانعاً عن تدوين هذه الأفكار التي تشتجر في الروح قبل القلم محبة للبصرة وأهلها .. وللمربد الذي لا معنى ولا تاريخ له إن لم يكن بصرياً.قبل مربدين زرت البصرة ، وكان ذلك بعد غياب عنها تجاوز العشرين عاماً. وكنت قد أخذت معي إلى الغربة صورة طرية للبصرة التي كانت لا تنام الليل ولا تمل من الشعر والطرب والضيوف ، ولاتخشى أن تصدح بعشقها ولهوها وحبها المندفع إلى كل جماليات الحياة ولذائذها تلك التي تأتيك فيها صادحة وطرية وشاغلة للحواس . وكان ذلك كله يأتي على الرغم من قسوة ما كانت تكابده من وقائع الحصار وحرب الثماني سنوات قبله .كم كانت صادمة لي ولأمثالي صورة البصرة الحالية بكل وقائع راهنها الذي راح يرمي نثار غباره أسئلة واجعة على ما احتضنته الذاكرة عن هذه المدينة كل تلك السنين : أين شوارعها العريضة وحدائقها الممتدة ثياب خضرة تطيل حديثها بامتداد تلك الشوارع ؟ كيف زحفت عليها (العشوائيات) ، حتى تركتها ضامرة نحيلة ، متسخة الثياب والرائحة ؟ أين عشارها الذي طالما مشت مراكب صبوته في الأغاني؟ واندست صورته بين الأثير من صفحات (ألبوم) الذكرى لكل من خطا نحو البصرة معتمراً توقه لتنفس عطر معالمها ؟ أين غابات نخيلها ـ في أبي الخصيب ـ التي يتكاسل ضوء النهارات بين يديها ، فيغفو على ندي خصلات سعفها في قيلولة طرية ، ليصحو على ليل بليل سرعان ما يداهمه بظلمة كانت تجفل منها خيالات السياب الطفل، فيهتف بعد عقدين من السنين: وهي النخيل: أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل، لايؤوب من الدروب أين فنادقها ومقاهيها ، وتراقص النغم البصري الذي يلاحقك حيث انعطفت منبعثاً من أنغام فرقها الموسيقية الشعبية ، تلك التي تتراص في محالها الصغيرة ، لتموسق روحك وطبعك وأقدامك ،على رغم أي وقار مدعى ؟؟ما الذي أودى بهذه المدينة ألا تكون على أليق ماتكون عليه كسواها من مدن البحر والبترول والأرض الخصبة والإنسان الكدود الذي يحمل بين طيات أنفاسه تواريخ عصور لاحدود لفيضها في كل شيء ؟؟كيف استكانت محتسبة لهذا الارتهان المجحف، في أن (تطش) على وطن بأكمله كل مايحمله جيبها من الثروات، وتبقى هي بثياب بؤس لا تليق بها وباسمها وبأهلها ؟؟لم يكن بالوسع ـ وإزاء هذه التساؤلات المهتاجة إلا أن أرمم مع نفسي كثيرا من تفصيلات الأماكن المتعبة الشاكية أهلها تلك التي كنا نمر بها، من خلال استعادة جماليات المسمى والنشاط الذي كان لها ـ في التاريخ أو الحاضر القريب ـ وهيئتها الطرية الى كانت تطالع متلقيها بها ، ليجيء ذلك نوعاً من منافحة الذاكرة عن محمولها الراسخ الذي لاتريد التفريط به عن هذه المدينة من جانب، ولتبرئة المدينة التي نحب من هوس الخراب الذي ألم بكل جنباتها اليوم.. من جانب آخر. وحينها عنّ للذاكرة ـ وبإلحاح متدافع ـ أن تستعيد شيئاً من بوح السياب مرة أخرى ، يوم خاطب (وفيقة) المتناهية في غياباتها عنه : ” وماضيك من حاضري أجمل … ” ، ليحاور تلك الاستعادة  تساؤل ناغر ببوحه مجحف بنتيجته ـ وعندنا نحن العراقيين من دون سوانا من (خلق الله) : لماذا ينهمر الماضي ـ مادياً وشعورياً ـ لنضعه غلالة نستر بها عورة حاضرنا الذي لايجيء كما نتمنى ، وليس لنا من حول للتصدي لمساوئه ، ومن قوة لتغييره ؟!لماذا نسبّح بآلاء الماضي ونلوذ ـ كالمقرورـ بمعطف ماكان عليه ـ وما كان كل الذي عليه لأهل زمانه غاية للمنى ـ ولانكفر بالحاضر ومحدداته تلك التي ينبغي لنا أن ندينها بالفعل لا بأضعف الإيمان ، لنزيحه عن كواهلنا ونصنع حاضراً آخر يليق بنا ؟زار بغداد ـ قبل مدة ـ صديق عربي بعد غياب أكثر من ربع قرن عنها . وقد رغب أن يقوم بجولة فيها ، يستعيد ما كان له من ذكريات في بعض مناطقها وأحيائها التي يعرفها ، لاسيما تلك التي أقام فيها طيلة الثمانينيات من القرن الماضي . وطلب مني أن أرافقه في تلك الجولة ، فاعتذرت متوارياً عن خجل النتيجة التي ستحل في آخر مطافه . وحين التقيته بعد يومين ، كان أول ما بادرني منه صوته الناحب بنبرة أسى : ما الذي فعلتم… ببغداد؟؟وفي البصرة كنت أبحث عن وجوه من أعرفهم من أصدقائي الأدباء فيها ، لأسائلهم ، وبحسرة مرة : ما الذي فعلتم… بالبصرة؟؟ولأني أعرف مدى تعلق المبدعين البصريين بمدينتهم وانتمائهم الذي لايجارى إلى كل ما فيها ـ والرغبة المحتدمة النبيلة التي تحدوهم في أن يجعلوها كما هي في أرواحهم وشفاههم ومنجزهم الجمالي ـ فقد طويت السؤال في داخلي ، تاركاً إياه يدير عينيه باتجاه سديمية الوجوه والمسميات التي أوصلتنا ـ وطناً وشعباً ـ إلى هذه الأوضاع المتردية الراعفة بالأسى والموت والخراب الممنهج الذي نال جوانب وجودنا وأيامنا وتطلعاتنا الإنسانية كلها، لأجدني أصرخ بحنجرة جمعية مكلومة ، مداها باتساع وطن ، وهديرها بتفجع أجيال مضت ، وأخرى ستأتي: ماالذي فعلتم .. بالعراق؟؟
                                 *  *  *
* ومضة:
أعرف البصرة
صحواً طيع المعنى ، ومرقاة أمان
للذي ناءت بما شاء غوايات السنين .
أعرف البصرة
أنفاس أبينا (آدم) الأولى
التي حطت هناك
واستحالت بشراً حلواً
ونخلاً… واكتمالات يقين .
أعرف البصرة
 إيقاع حنين أزلي
يتوضا
بنثيث الكلمة الأنقى… وبوح العاشقين

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان