عبد المنعم الاعسم
يعود الحديث عن الوطنية وعلاقتها بالطائفية في اللحظة التاريخية العراقية، ويحاول المعترضون على فكرة التعارض بين الوطنية والطائفية تحسين دفاعاتهم الفقهية والنظرية بالقول ان “الوطني” هو ابن طائفة من الطوائف، أو قومية من القوميات، او دين من الاديان، ومن هنا (بحسب المعترضين) فان الوطنية حاملٌ للتنوع، واطارٌ للتعايش بين اتباع الطوائف والقوميات والاديان.
هذا لا يعدو عن كونه تنظيرا خارج الملموس، إذ سرعان ما يتهافت امام الحقائق الماثلة على الارض، إذ حُشرت الملايين العراقية في ماكنة الاستقطاب الطائفي، وبات الوطن (والوطنية طبعا) ملحقا بالاستحقات السياسية للطوائف، وهما لا ينظر اليه من خارج موشور الطائفية، بصرف النظر عمن دفع المعادلة الى هذا المآل، ومن المسؤول عن ذلك، وهما امران أشبعا جدلا.
والنتيجة، انه لا يمكن الاطمئنان الى الجمع بين “الوطنية والطائفية” بل لا يمكن مجاورتهما في بناء دولة، اية دولة، فاما دولة وطنية، واما دولة طائفية. الدولة الوطنية (إذا شئنا الصراحة) تتضايق من الطائفيات، والدولة الطائفية تضيق بالوطنيات.وفي التفاصيل،ان تكون وطنيا وطائفيا في نفس الوقت، تكون قد كذبت علينا وقبل ذلك على نفسك، وقد كذب علينا وعلى نفسه، وما زال، كثيرون. صدام حسين استخدم المسارين: الوطنية العراقية بوصفها شعارا آنيا للتعبئة الى الحرب وبهدف اخصاء الهويات والتنوع والعقائد والخيارات غير المرغوب فيها، ثم الطائفية الدينية من اجل تصليب عود النخبة الحاكمة ودفع اتباع الطائفة (الطوائف) الاخرى الى مرتبة مواطنين من الدرجة الثانية.وثمة دائما في الصراعات الوطنية والطائفية منطقة وسط (معتدلة) ترفض الوطنية الاستبدادية والطائفية العنصرية.. منطقة هشة، لكنها تتنامى في مجرى المغالاة في ترسيم استحقاقات الوطنية والطائفية، وظهور اسنان فتاكة لمشروعهما السياسي، وتواجه هذه المنطقة (في ظروف الاضطرابات) هجمات الطرفين وربما تحالفهما المؤقت، ويتكرر ذلك كثيرا في تاريخ الصراعات، فالاعتدال غالبا ما يكون ضحية المتصارعين، وثمة الكثير من الظروف يتوحد فيها غلاة الوطنيين والطائفيين لدحر الاعتدال بوصفه خطرا محدقا بهما.ودائما، في الدولة الوطنية التقليدية اللاديمقراطية، ثمة مواطنة موزعة على درجات ضحيتها الوطنيات الاخرى، ودائما، في الدولة الطائفية النموذجية ثمة مواطنون من الدرجة الثانية هم اتباع الطوائف الاخرى، والمشكلة، ان الحروب الاهلية عادة ما تندلع من شرارة الافتراق بين الطوائف، او من شرارة الاصطدام بينها.
هل نحتاج الى امثلة حية؟
“لا يغرنك سهولة الصعود، إذا كان المنحدر وعراً “
رسول حمزاتوف





