في عدد اليوم من صحيفة ( الحقيقة) ضيفنا مخرج عراقي… دائم الحركة، بهي الطلعة، دائم الابتسام..و خلف هدوئه ألف سؤال يتوّجه الشموخ الذي تنفتح له اسارير القلب، يطغى الهدوء على ملامحه .. ولكن لا يعرف كثيرون ان هذا الهدوء يحمل خلفه اسرارا وطلاسم للنجاح الفني والمهني ، حيث اسهمت الغربة في بلورة موهبته و صقلها..و تغيير مساره المهني من الهندسة الالكترونية الى الاخراج التلفزيوني..
المخرج العراقي جعفر مراد.. الرجل الهادئ على اثير الصورة واللحظة المولودة من وسط المعاناة العراقية،ولد في بغداد وأكمل دراسة البكالوريوس في هولندا جامعة اوترخت،.. مخرج من طراز خاص يحمل رؤى واقعية بمعالجة فنية نفسية من خلال ما يطرحه، يميل الى تقسيم فلسفة الفيلم لكي لا يفرقه ضباب لندن عن المشهد السينمائي، درس على أيدي مخرجين بريطانيين معروفين وتخصص في الدراما الاجتماعية وأيضا أفلام الرعب النفسي (Psychologocal Thriller).
شارك في العديد من السهرات والمهرجانات من بينها مهرجان الجالية العراقية في مدينة مانجستر Manchester عام 2013، و كان اخرها مهرجان مالمو السينمائي وقد حظيت افلامه بالإهتمام والإعجاب من قبل الجمهور والمهتمين والنقاد. كما اقام المركز الثقافي العراقي في لندن سهرة خاصة لمشاهدة بعض من أعماله، و تم عرض أربعة افلام حيث عاش معها الحاضرون لحظات إعجاب بين مستمتع وبين متفكر…و على أثير الغربة و الصورة الحية كان لنا معه هذا الحوار فأهلا و سهلاً به بيننا..
حاورته – سناء الحافي
* المخرج و الفنان جعفر مراد.. نرحب بك بين أروقة جريدة الحقيقة، ونبدأ حوارنا معك من عمق الصورة… حدثنا عن بداياتك الفنية في خضم تراكمات الحياة و قساوتها؟ و كيف امتدّ بك شغف الموهبة الى العمل الميداني من خلال الاخراج و الانتاج؟
– اهلا بك عزيزتي واهلا بجريدة الحقيقة وانا سعيد بهذا اللقاء. بدأت الفن من صغر سني حيث كنت اشارك في نشاطات المدرسة من تمثيل مسرحيات الى غناء. ثم احترفت العزف المنفرد على الاورك حيث اصبحت مهنتي بالعزف في الفنادق الدرجة الاولى في بغداد. في اوربا درست الهندسة الالكترونية وحصلت على البكالوريوس في هندسة الكومبيوتر والاتصالات من جامعة اوترخت الهولندية وتزوجت وكونت اسرة. لكن في كل ذلك المشوار كنت اشعر بان حياتي غير مكتملة لانني لم اكن استعمل الموهبة التي رزقني بها رب العالمين. في واحدة من سفراتي السياحية الى اميركا وهوليود بالذات دخلت يونيفيرسل ستوديو، وتلك كانت اللحظة التي غيرت مجرى حياتي حيث انتابني شعور بانني كل تلك السنين كنت راكن موهبتي على الرف. عند عودتي الى بريطانيا قررت ان اسلك طريق الفن حيث بدأت كممثل في افلام بريطانية الى ان سنحت لي الفرصة ان اقبل بدراسة الماجستير بالاخراج. والحمد لله اكملتها حيث درست على ايدي مخرجين بريطانيين معروفين في الفن البريطاني واشبعوني بخبرتهم ومشوارهم الفني وانا اكن لهم كل الحب والاحترام.
* شاركت في مهرجان مالمو السينمائي بفيلم من اخراجك كان ضيف شرف ضمن immigration films،حدثنا عن هذه التجربة الفنية وماذا أضافت لك على المستوى الشخصي و الفني؟
– سعدت بمشاركتي في مهرجان مالمو السينمائي للافلام العربية بفيلمي “خلف المرآه”Behind The Mirror رغم ان الفيلم لم يكن ضمن المسابقة الرسمية حيث كان كمثابة ضيف شرف على المهرجان. بصراحة انا سعدت بالمشاركة لان هذا هو اول مهرجان عربي اشارك فيه لمقاطعة معظم المهرجانات العربية وبعض الجمعيات الاسلامية للفيلم لكونه “حسب رأيهم” يحمل فكره جريئة بعض الشيء على مجتمعاتنا العربية. الفيلم شارك بسبعة مهرجانات امريكية واوربية والبقية ستأتي. انا لا اثير غريزة جنسية ولا اخدش الحياء، انا اناقش حالة انسانية تحصل في مجتمعاتنا العربية كل يوم وفي كل البلدان ولكن مجتمعاتنا المتناقضة لا تود التطرق لهذه المواضيع لكونها تكشف بعض العيوب الجسيمة للمجتمع. الفيلم نال استحسان اكثر العوائل العربية وخاصة العراقية التي تعيش في المهجر. اكثر المحجبات شكروني على هذا الفيلم كوني ادافع عن المرأه الشرقية من اضطهاد المجتمع العربي لها. الفيلم عمل حركة قوية في شمال انكلترا والمجتمع البريطاني رحب به كثيرا لانه لم يكن يعلم بوجود هذه الحالة في المجتمعات العربية. النقاش الذي حصل بيني وبين الجمهور السويدي في مهرجان مالمو بعد عرض الفيلم كان اكثر من رائع وسمعوني جملة جميلة جدا وهي” بكل صراحة فيلمك يستحق ميت جائزة” هذا كان عندي اكبر فوز. كل الشكر والتقدير للقائمين على هذا المهرجان وهو يختلف عن باقي المهرجانات العربية لانه ذو عقلية متفتحة والتي نحتاجها في مناقشة بعض المواضيع المهمة مثل هذا الموضوع.
* هل برأيك أضاف الاخراج صيغة أخرى للمشهد الانساني العراقي؟ و ماذا يحاول جعفر الوندي الانسان ترجمته من خلال اعماله الفنية ؟
– الفنان والمخرج بالذات هو كتلة احاسيس ومشاعر يترجمها على الشاشة لكي يمتع المشاهد. المخرج العراقي سواء بالخارج ام بالداخل هو جريح وضحية ظروف ومعاناة قاسية سواء في زمن الدكتاتورية والى حد الان، يمكن الان اكثر. لكنني وبكل تواضع احاول ان اغير من مجرى السينما العراقية. المواطن العراقي مل من الافلام التي تتجه الى القتل والدماء رغم ان اكثرها ناجحة وزملائي ابدعوا بها ورغم هذا الواقع الذي هو عايش فيه، ولكنني اتجه اكثر الى الدراما الاجتماعية وخاصة السايكولوجية والتي تفتقر لها السينما العراقية. المواطن العراقي يملك احاسيس رهيفة ويحتاج ان يشاهد دراما اجتماعية. كل انسان عنده مشاكل خاصة سواء عائلية ام خارج المنزل وانا اجد فراغا كبيرا في السينما العراقية للتطرق لهذه المواضيع. سادخل في هذا الفراغ وسادخل في داخل المواطن العراقي واناقش مواضيع كثيرة لم تناقش من قبل.
* من وجهة نظرك هل استطاع جعفر الوندي بلورة الفكرة من خلال عدسته و ايجاد اجابات لما يدور حوله من تناقضات؟
– في كل بلد عشت فيه وفي كل مجتمع دخلته حاولت ان افهم طبيعة الحياة من خلال علاقاتي مع ابناء البلد. التناقضات موجودة وفي كل المجتمعات ولكنني باعتباري عراقيا وجزءا من المجتمع الشرقي اميل اكثر لمناقشة التناقضات الموجودة في المجتمعات العربية. هنا في المجتمع الغربي التناقضات اقل لكون المواطن يستطيع ان يعبر عن رأيه بكل سهولة وصوته مسموع. اما عندنا في المجتمعات الشرقية للاسف صوت المواطن هو اخر صوت يستمع او حتى لايستمع، فلهذا توجد تناقضات لم تناقش بعد. احب ان اناقش هذه التناقضات واكبر دليل فيلمي خلف المرأة والذي تطرقت له في بدايه حديثنا هذا.
* من المعروف جدا أن المبدع العراقي يواجه كل أنواع الإحباط و قلة الدعم في موطنه على عكس ما يجده في الخارج…برأيك هل تهميشه من قبل السياسيين في العراق سبب في ذلك ؟ و ماذا أضافت تجربة جعفر الوندي للسينما العراقية؟
– المخرج يجب ان يلاقي دعما ليس ماديا فقط ولكن معنوي ايضا وليس فقط من داخل بيته والمقربين ولكن ايضا من المجتمع الذي ينتمي له خاصه وانه يترجم آلامهم ومشاكلهم على الشاشة. اما الدعم المادي فهو الذي يعطي النبض لحياه الفيلم. انا ساتكلم عن تجربتي، لايوجد عندي اي تمويل، انا انتج افلامي بامكانيتي المتواضعة جدا. الكاميرا والادوات التي استعملها متواضعة، كل كادر العمل يأتون متطوعين وانا اكن لهم كل الاحترام لحبهم للعمل ككل والعمل معي، انا اقوم بالتصوير والاضاءة والمونتاج للفيلم لكون الشركات تطلب مبالغ لا استطيع دفعها. رغم هذه الامكانيات المحدودة ولكن الفن قائم وعايش وسيتمر طول ما هناك عقل يفكر وافكار جديده تكثر يوما بعد يوم وموهبة تكبر عملا بعد عمل واصرار على النجاح وثقة برب العالمين.
* يقال الفن و الثقافة يصلحان ما كسرته السياسة ، برأيك هل الفن العربي عامة أدى رسالته في العالم العربي اعتمادا على آليات التطور و الدعم الخارجي بالرغم من التذبذب الأمني؟
– توجد اعمال مهمة جدا في تاريخ السينما العربية والتي اصلحت ماكسرته السياسة وحتى ساعدت على تغيير بعض قوانين البلد. ولكنني اشاهد في الوقت الحالي هبوطا شديدا في الاعمال السينمائية من ناحية طرح الموضوع ومناقشته وفي بعض الاعمال للاسف لايوجد هناك موضوع اصلا لمناقشته. الجميع اصبح يتجه للتلفزيون لكونه المكان المضمون لنجاح العمل ماديا.. ولكن اين هي السينما؟
* من الخاص الى المطلق .. نرحل بك الى فضاء الاعلام، ماذا قدّم الاعلام العراقي لك؟
– الاعلام العراقي وايضا التلفزيون العراقي دعمني من البداية ولا يزال يدعمني واكن له كل الحب والاحترام. لا استطيع الانتشار والنجاح بدون الاعلام وخاصة انا ابن البلد. توجد ايضا قنوات عربية ستبث بعض اللقاءات القصيرة التي عملتها في مهرجان مالمو ايضا احترمهم جدا.
* لكل مبدع رمز وجد نفسه من خلاله، أو رموز متعددة، ساهم أو ساهمت في خلق تجربته الابداعية ـ بالنسبة لك ـ أو على الاقل إيجاد بذرتها.. فمن هو الرمز الذي يعيش في أعمالك؟
– اكيد توجد اسماء كثيرة وكبيرة تاثرت بها منذ نعومه اظافري الى حد هذه اللحظة: الدراما العراقية: يوسف العاني، مكي البدري، سامي قفطان. الدراما العربية: العملاق محمود مرسي هو رمز من رموز السينما العربية التقيت به في بغداد في الثمانينيات وكنت معجبا بشخصيته جدا. نور الشريف اتمنى العمل معه حيث اعتبره نجم مصر لفتره طويلة من الزمن. واكيد سيدة الشاشة فاتن حمامة. المخرج شريف عرفه وكامله ابو زكرى. العالمية: كنت مغرما بافلام هيتشكوك منذ الصغر ولم اكن اعلم بانني سادرس على افلامه بيوم من الايام. رون هاوارد وطريقته النفسية لطرح الموضوع. اما البريطانيون فانا اعشق انتوني هوبكنس، وماكي سميث وهيلين ميرين خاصه بعد لقائي بها. انبهرت ببساطتها وروحها المرحة. ومن الجيل البريطاني الجديد طبعا انا مغرم بـ كايرا نايتلي واتمنى ان يجمعني عمل معها في المستقبل.
* بوصفك فنانا و مخرجا عراقيا… كيف ترى الحراك الثقافي و الفني العراقي في الخارج؟
– بكل صراحة انا كنت بعيدا عن الفن العراقي لفترة طويلة ليس لتقليل الموهبة العراقية ولكنني كنت مشغولا جدا بالدراسة والتصوير. اما الان فانا متابع بعض الشيء. اعود الى نفس الموضوع الذي تطرقنا له، الفنان العراقي يحتاج الى تمويل ودعم من الحكومة العراقية. نحن ابناء هذا البلد كيف نستطيع ان ننقل مشاكلنا وآلامنا للجمهور بدون دعم ؟. بالرغم من هذا فتوجد حركة لابأس بها من النشاطات الفنية سواء من الفن التشكيلي والشعر وبعض النشاطات المسرحية المحدودة.
* الموضوع العراقي أصبح مادة مستهلكة في الأعمال السينمائية العالمية و الأمريكية، باعتقادك هل انصفت هذه الأعمال الوضع العراقي في الواقع أم كان هناك خلط في الحقائق؟
– للاسف معظم الاعمال الامريكية التي تحاول تبرير دخول الجيش الامريكي للعراق بحجة اسلحة الدمار الشامل كانت افلاما تعطي صورة غير حقيقية عن ماحدث. من خلال تلك الافلام كانوا فقط يحاولون اعطاء صورة جيدة عن الجندي والجيش الامريكي والسياسة الامريكية واعطاء صورة خاطئة عن العراق والعراقيين. كنت اتألم عند مشاهدة تلك الافلام وبعدها بدأت لاشاهد اي فيلم امريكي يحكي عن هذا الموضوع لانه غير حقيقي. ولكن عندما يخرج موضوع نقل الصورة الحقيقية عن الوضع الحالي للعراق من مخرج عراقي احس بعمق الالم الموجود بداخله حتى ولو كان الفيلم قصيرا ومعمولا بطريقة متواضعة ولكن نقل الاحساس الصادق والنابع من مواطن عراقي يكون له تأثير اصدق واكبر بكثير عن تلك الاعمال الامريكية المعمولة باحدث التقنيات ومصروف عليها مئات الملايين.
* المخرج جعفر مراد.. هل من مشاريع فنية جديدة سترى النور سيدي وكلمة اخيرة لقراء جريدتنا الحقيقة؟
– نعم، عندي فيلمان قصيران جاهزان للعرض وهما كانا مشروع الماجستير والذي حصلت على هذين الفيلمين الاول على الدفعة من جامعة شيفيلد هالام البريطانية. الفيلم الاول واسمه لى فوياج والثاني اسمه هوت جوكوليت. “لى فوياج”: Le Voyage وهي كلمه فرنسية تعني الرحلة، وهي رحلة كل عراقي غادر العراق. اتكلم عن الخوف المزروع بنا كعراقيين من جراء سوء معاملة النظام الدكتاتوري للشعب العراقي. اناقش هذا الموضوع بطريقة كوميدية سياسية ساخرة غريبة جدا على السينما العراقية. اتوقع لهذا الفيلم نجاحا كبيرا لانني ناقشته بطريقة خيالية سايكولوجية.
اما الفيلم الثاني يدعى هوت جوكوليت “Hot Chocolate”. انا بصراحة اعتبره من احلى افلامي لانني اناقش في هذا الفيلم موضوع تغيير العلاقة بين الزوجين عندما يغادرون العراق ويصلون الى اوربا والتغيير الذي يطرأ على علاقتهم والقرارات الجريئة التي ياخذونها في المجتمع الغربي ولم يستطيعوا اتخاذها في العراق. وهل يستطيعون المعاملة مع هذه القرارات المصيرية. الفيلم قصير ولكنني وضعت فيه مشاعر قوية جدا تمس كل عراقي واكثر المتزوجين العراقيين سيعجبهم هذا الفيلم. وايضا الحوار الذي وضعته سيشعر به كل انسان مجروح عاطفيا من اقرب الناس له وهو نصفه الثاني.





_1617644865.jpg)



