د. علي حداد
تتكيف الصلة بين الشعر والبصرة والمربد في نسق من الاستجابات المثيرة ، فما أن يذكر الشعر العربي ـ والعراقي بخاصة ـ حتى تند البصرة ويند مربدها بثقل تاريخ المثاقفة الإبداعية وجماليات منجزها فيهما ، وهي تتناسل من ( أبي نواس ـ 145هـ ) البصري ـ الذي أعده مؤصل التحديث الشعري بسبق تاريخي وجمالي مديد السنين على (أبي تمام ـ 231هـ ) الذي نسب إليه مانسب من مغايرة تحديثية ـ وحتى أجيال الحداثة الراهنة تلك التي تهامى منجزها من معطف إبداع السياب الذي جعل من بصريته رموزاً ومسميات أوغل الوجدان الشعري العربي بعده في ترديدها واستعادة حضورها الخصيب .هكذا تماهت البصرة بالشعر ، وتماهى الشعر بالمربد بتكيفاته المكانية البصرية ، فصار له طعم كل موجودات البصرة وضوع مالاتجد ضوعه إلا فيها . ولأن المربد ليس مهرجاناً للأدب كسواه ـ كما أن البصرة ليست مدينة كسواها ـ أمسى التمسك بالاثنين والدعوة إلى الارتقاء بهما مسؤولية ثقاقية تتأطر فيها كل فيوض حب البصرة وما يليق بها وبمربدها.منطلقين من هذا اليقين الذي لا نغادره إلا إليه ، نضع التصورات الآتية ، بين يدي من يحمل مثل ما نحمل عنهما ، ذاهبين بالتمني ـ الذي نريد للمربد أن يدركه ولو بعد حين ـ إلى الحد الذي سيراه البعض مثالياً في ظل محننا المتواترة… ولم لا ، فليكن كذلك ، ونجعل من المثال وكدنا المنشود ؟في البدء فإننا ندعو إلى العودة لتأمل ماتأسس عليه المربد في راهن استعادة ماضيه ،وتوثيق ما تحقق له وفيه،واستجلاء منجز الممارسات والفعاليات الشعرية والنقدية التي راكمتها دوراته المتعاقبة ، والأسماء الابداعية الكبيرة التي أعادت إليه طري أنفاسه. ولهذه الغاية ، فما الذي يمنع ـ وقد عقدت دورات المربد السابقة تحت مظلات الاحتفاء بأسماء عراقية مبدعة ـ أن تكون دورة المربد القادمة احتفاء بـ (المربد) ذاته. حيث تكتب عنه الدراسات التي تستعيد قراءة تاريخه وحاضره ، وتستجلي ماتم له أن يتأطر فيه ـ ثقافياً وجمالياً ـ عبر تلك المسافة الزمنية التي تمثلها وجود هذا المهرجان الشعري الخالد ؟أما المثابة الأولى التي نقترحها لترصين وجود المربد وتغيير مساره ـ حتى لا يكون كسواه من المهرجانات التي تواترت بعده ـ فهي أن تتأسس له هيئة ذات كينونة وحضور دائمين ، تضم أعضاء مؤهلين لهذه المهمة ، ومن جهات عدة : (وزارة الثقافة ومحافظة البصرة والاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق واتحاد الأدباء فرع البصرة وجامعة البصرة)، فضلاً عن عدد مناسب من المبدعين العراقيين يكونون عناصر ارتباط لتلك الهيئة في مختلف المحافظات، وحتى خارجه، تكون مهمتها الآنية (توثيقية) من خلال السعى إلى جمع ما كتب عن المربد وفيه وتبويبه. وبموازاة ذلك تعد الهيئة استمارة استبيانية توزع على أكبر عدد ممكن من المثقفين العراقيين ، لاستجلاء آرائهم وما لديهم من تصورات وأفكار لها ان ترتقي بالمربد وتركن وجوده الثقافي على أسس الموضوعية والرصانة. وربما تكون الخطوة المساوقة لذلك أن تمتلك الجهات المعنية تصوراً لفلسفة خاصة بالمربد وبأهدافه والمطامح التي يكون المسعى دائباً لتحقيقها ـ تلك التي يكون تأمل المشهد الشعري العربي ـ والعراقي تحديداً ـ وسيرورة ما تهيأ له انجازه عبر أجياله المتعاقبة أس انشغالها ، ليصبح المربد محطة مراجعة واستعادة وقائع منجزة ، واستشراف آفاق القادم المنشود . وبهذا يصير المربد مرتكز بحث ومراجعة وتوثيق ، وقبلها ومعها (الترصين).وقد يكون بعضاً من وجهة ذلك الترصين أن يعقد المربد مرة كل سنتين ، متعاقباً مع (مهرجان السياب)الذي تحتضنه البصرة أيضاً ، ليتاح الوقت والجهد لتمام الجهد ونضج ماينشده .ولتوسيع أفق المناسبة (المربدية) واستحضار يعض روح ماضيه ـ الذي كان فيه (سوقاً) لممارسات وفعاليات متعددة الأوجه ـ بالإمكان دعوة المؤسسات الحكومية والأهلية لإقامة (سرادقات) لأنشطتها ومعارضها وفعالياتها الشعبية والثقافية والتجارية الرديفة ، التي تستلهم جوانب من تراث هذه المدينة الباذخ وتعيد إنتاجه في أشكال وممارسات كثيرة .ولعله لايكون من المطلبية المتفائلة أن ندعو إلى إنشاء (مؤسسة المربد الثقافية) بالتعاون بين الجهات آنفة الذكر ودعم المؤسسات الحكومية والأهلية الأخرى. وربما ذهابنا بالتفاؤل إلى أقصى مداه فأملنا الثقافة والمثقفين باليوم الذي تؤسس فيه (جائزة المربد للإبداع) .وأخيراً… ولكي يعاد للمربد وهجه العربي والدولي فقد بات من الضرورة اللاحة إعادة النظر في الأسماء المدعوة من خارج العراق ومن داخله كذلك ،إذ لابد من التأني الجاد في الدعوات والتخير الموضوعي لأسماء من توجه لهم ،والاقتصار فيها على من يكابدون الإبداع الحقيقي بنبل كدود ، وتجاوز حصة المجاملة وكرم يدها تلك التي تفشت في راهن المربد وسواه من المهرجانات الثقافية العراقية التي يجري فيها استجلاب أسماء ليست ذات شأن إبداعي كبير في بلدانها ، والمبالغة بالحفاوة بها ، والنفخ في صورتها اعلامياً إلى الحد الذي قد لاتتخيله هي لذاتها.لقد كانت منصة المربد (المربد) عالية السنام ، لايطاول قامتها إلا الكبار من الشعراء والأدباء أولئك الذين توضأت أرواحهم وأصواتهم وانهمارات صحوهم بطاهر الإبداع وفيوضه، ولعلها لن تعود إلى ذلك إلا حين يكون أمر الدعوة إلى المربد بعيداً عن المجاملات و(الإخوانيات)، والارتهان فيها إلى من يعرف قيمتها ويتشرف بها، ويمهرها بحضور إبداعي يليق به وبفضاء المربد الذي لا فضاء ثقافي باتساعه.
* * *
* إضمامة:
رحبت (البصرة) بالشعراء
وأدنتهم في مجلس طيبتها
لكن..!
ولإفراط في حسن ضيافتها
لم تسأل أكثرهم:
ـ أين الشعر…؟!





