لم يمض على طلاق سعاد الا بضع سنين بعد ان لملمت ما اخذته من سنوات زواجها الحالك السواد بضعة ثياب وكومة اطفال تناقلتهم بثقل ومشقة وهي تعود ادراجها الى بيت اهلها, منكسرة منطوية على حالها مغلوبة على امرها متحملة لأشد انواع التعذيب والذل , ليس لذنب اقترفته سوى لكونها مطلقة …سعاد تلاشى جمال وجهها في تلك السنين الغابرة من زواجها وتلاشى معه طعم الحياة بعد طلاقها , في بيت اهلها تخدم تارة وتصبر تارة و تسلم امرها لله تارة اخرى . لم تتمكن سعاد من الاستمرار في زواج افقدها كرامتها وادميتها الشيء الكثير تحملت ما تحملته من صور العذاب والاهانة وشتى انواع الهجر والخيانة وحين بلغ السيل الزبى طلبت الطلاق . ولم تجد من زوج اناني صعوبة في تطليقها ورميها في حجرة عند بيت اهلها اي صعوبة طالما هناك ضحية اخرى ستواجه نفس المصير وستلاقي نفس انواع التعذيب الذي لاقته .
اجرت التحقيق/ سناء البديري
اسباب تحقيقي هذا
استغربت كثيرا وانا أبحث في مواقع الانترنت بل صدمت عندما علمت من باب الصدفة ان العراق يحتل المرتبة الثالثة عربيا بعد تونس والكويت في نسب الطلاق الى الزواج . هذه الاحصائية المخيفة دفعتني للبحث أكثر عن بداية هذه الارقام التي اخذتني بالتحديد لعام 2004 حين شهدت المحاكم ارتفاعا في نسب الطلاق الى الزواج في مجتمعنا , هذه الارقام التي بدأت تتصاعد بشكل مرعب حتى وصلت عام 2013 لتقف وهي تسجل العراق واحتلاله المرتبة الثالثة على مستوى الوطن العربي بنسبة وصلت الى 65% من نسبة الطلاق الى الزواج.
ما الذي ساعد على احتلالنا هذا المنصب ؟
وما ادوات هذا الطاعون الذي سرى في جسد مجتمعنا ؟
وما دور المحكمة والقضاة التي اشارت حولهم اصابع الأتهام ؟
وللطلاق حكايا
شدن محمد (25 سنة ) مطلقة وجدتها متشحة بالسواد وهي تراجع في سبيل رفع قضية على زوجها في سبيل المطالبة بنفقة لطفلتها التي ولدتها ومن ثم قرر زوجها المصون تطليقها وترحيلها لبيت أهلها بحجة أنها لم تعد تطاق ,سألناها كيف تمت اجراءات طلاقك في المحكمة قالت :” الاجراءات تمت على يد محامية تم تكليفها من قبل زوجي ومن ثم بعد عدة أيام تم الطلاق أمام القاضي بحضورنا وانتهى الامر , وعندما سأل القاضي هذه المحامية عن دور الباحث الاجتماعي في قضيتنا قامت بأعطائه مجموعة من الاوراق كتب عليها بالحبر الاسود مسودة قالت فيها هذا ما استنتجته الباحثة الاجتماعية , مع العلم لا اعلم بالتحديد ماذا واين استنتجت الباحثة الاجتماعية من مشكلتنا وعزم زوجي على الطلاق وادراجي في قافلة النسيان انا وأبنتي . ولكن ماذا عساي أن اقول سوى ” حسبي الله ونعم الوكيل .”
والدة احد المطلقين (ام سمير ) كانت لها هذه المداخلة معنا حيث قالت ” ما تتبعه المحاكم من الاستهانة بالطلاق من قبل هذا الشباب المتهور الذي يجد في الزواج والطلاق (ألعوبة ) بيده سوى كارثة تحل بأواصر نسيجنا الأجتماعي ,وستحولنا من مجتمع يحترم العائلة كوحدة اساسية والنواة الاولى لبنائه الى نسيج مترهل يزاحم عند باب المحاكم في كل منطقة وصوب في سبيل الحصول على ورقة الطلاق. دور المحاكم غائب. دورها مهمش بل ودورها أصبح كعامل مساعد.”أم سمير اضافت ” في السابق وتحديدا في الثمانينيات والتسعينيات كانت اجراءات الطلاق عسيرة ومستعصية حيث يقوم القاضي بطرد من ينوي الطلاق من غرفته مرة واثنين وثلاثة ويطيل ويمدد بالقضية في هدف أن يجد الطرفان صلحا, وكانت النتيجة فاعلة حقا واغلبهم لا يعاودون المجيء ثانية , اما الان فهذا الامر غائب تماما بل اصبح القاضي متسرعا وسريعا في اجراءات الطلاق أكثر ممن ينوي الطلاق!”
علي مجيد (44 سنة ) مطلق زوجته منذ سنتين أجابنا عندما سألناه عن دور المحكمة والقاضي في قضيته سابقا حيث قال :” لو كان هناك اي دور للمحكمة والقاضي ما كان حالي هذا الان , ولو كان هناك اي تعقيد لأجراءات الطلاق من قبل القاضي كان من الممكن ان يكون طلاقنا قد فشل وعدنا لبيتنا , ولا انكر انني وقتها تمنيت أن تعدل زوجتي عن هذا القرار ولكن للأسف لم يحدث ذلك رغم تقصيرها معي في بعض الامور , وتمت اجراءات الطلاق وانتهى أمرنا , وبصراحة في بعض حالات الطلاق قد يكون موقف الاهل ضعيفا جدا لا يرتقي لمستوى حل المشكلة وبذلك يكون دور الباحث الاجتماعي الذي وجوده (مجمد )مهما جدا اذ يكون وقتها دوره كدور الاب او الاخ في حل المشكلة ولكن للاسف هذا لم نشهده من محاكمنا الموقرة .
طلاق خارج المحكمة
القاضي المتقاعد عبد المجيد راضي قال :” لا يمكن الانكار ان لدينا ضعفا كبيرا فيما يخص موضوع الباحث الاجتماعي وهذا الموضوع يجب تفعيله بشكل كبير ودعمه في سبيل الارتقاء بدوره كما اننا بحاجة الى الغاء والحد من ظاهرة الزواج والطلاق خارج المحاكم حتى وان كانت شرعية , فهذه المكاتب كان لها دور كبير في استفحال ظاهرة الطلاق كما يجب توعية الشباب المقبلين على الزواج باهمية هذا الرباط المصيري المقدس وخطورته وتداعياته وهذا يتم ايضا من خلال الباحث الاجتماعي . وهذا لن يتم الا اذا صدقت النيات وتظافرت الجهود لمعالجة كل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وتحجيم هذه الظاهرة وهذا لم يحدث حتى وقتنا الراهن، وما تحقق في هذا الصدد لا يتجاوز إصدار قرارات ترقيعية لا تبحث في أصل المشاكل وتجتثها من جذورها.”
دور المحكمة
عن دور المحكمة في هذا الموضوع
يقول المحامي علي التميمي:”
من ابرز الحلول التي قام بها مجلس القضاء الاعلى منذ عام 2008 هو تفعيل و التركيز على دور الباحث الاجتماعي في اجراءاته لتحقيق الصلح بين الزوجين اللذين ينويان على التفريق والطلاق , ولا علاقة له بما تحتويه الدعوى من حقوق وادعاءات. اي يجب ان يكون دوره صالحا ولكن دور الباحث الاجتماعي لم يتعد كونه ديكورا فقط في محاكمنا لا اكثر لانه لم يحقق الدور المرجو منه . اذا كان من الاجدر ان تكون هناك لجنة متخصصة تعمل تحت انظار المحكمة وباشرافها والتي تتكون من كوادر ادارية واكاديميين وخبراء تتولى مهمة الباحث الاجتماعي ولا تقتصر على شخص واحد فقط كما هو الان , تتولى هذه اللجنة البحث العميق في اسباب المشاكل التي أدت بالزوجين الى طرق ابواب المحاكم وتحديدها ان كانت اقتصادية أو صحية أو اجتماعية عبر جلسات سرية وعلنية والعمل باقصى الجهود لذوبان جبل الجليد بينهما . وبذلك نضمن على الاقل التقليل من نسبة انتشار طاعون الطلاق في مجتمعنا العراقي .”
المحامية سماح التميمي من محكمة الكرادة في هذا الصدد قالت :
” ما يحدث فعلاً في محاكمنا العراقية أن المحاكم لم تفعل دور الباحثة أو الباحث الاجتماعي. وهو الشخص المخول قضائيًا بتقديم تقرير للمحكمة عن إمكانية استمرار الزواج من عدمه كما. أن القانون العراقي يحتوي على مرونة وثغرات تسهم في التسريع بحالات الطلاق, وطلب التفريق القضائي. ومن تلك الأسباب القانونية الأساسية ان المادة 39 من قانون (الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل) تنص على وجوب إقامة الدعوى في المحكمة الشرعية, لمن يريد الطلاق واستحصال حكم به.
الا اننا نجد ان الظاهر والأغلب هو ايقاع الطلاق خارج المحكمة غيابيا او الطلاق الرضائي ( الخلع). بسبب انعدام الوعي القانوني, وعدم تقدير قيمة الحياة الزوجية والتسرع. كما ان المادة رقم (40) في القضاء العراقي تجيز لمن تضرر ضررًا يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية ان يطلب التفريق.
ولكن الغالبية العظمى ممن يطلبون التفريق لا يعتمدون على هذه المادة خوفًا من ردّ دعواهم، لمعرفتهم بعدم وجود ضرر جسيم يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية لأن الضرر لا يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية. لهذا يتبعون طرقًا أخرى لإيقاع الطلاق. ونصت المادة (41) على جواز طلب التفريق من قبل أي من الطرفين عند قيام خلاف بينهما والزم المشرع المحكمة في هذه الحالة إجراء التحقيقات اللازمة في أسباب الخلاف وسلك المسلك الشرعي في ذلك من حيث التحكيم والسعي لإصلاح ذات البين.
دعم الباحث الاجتماعي
الباحثة الاجتماعية اسراء عبد الصاحب من محكمة الكرادة تقول:” قد يلام الباحث الاجتماعي في دوره السلبي جراء هذا الكم الهائل من نسب الطلاق ولكن ما يجب ان نعرفه ان الباحث الاجتماعي لا يحظى بدعم كاف من قبل وزارة العدل او حتى من قبل المحكمة والقضاة, بل ان القضاة أنفسهم ينظرون لنا على اننا حلقة زائدة في القضية , لذلك لا يمكن للباحث الاجتماعي ان يعمل وحده دون توفير الدعم اللازم وزيادة عدد الباحثين الاجتماعيين والحقوقيين والمشرعين من الكفاءات العراقية الممتازة سواء في الداخل أو الخارج، لغرض دراسة الظاهرة ومعرفة أسبابها المختلفة ، والعوامل المؤدية لها وايجاد الحلول الجذرية لها .”
الخبير القانوني عبد الحسين صابر شاركها نفس الرأي قائلا :” حتى يكون دور الباحث الاجتماعي مجديا أكثر في محاكمنا لا بد ان يحاط بدعم لوجستي من قبل المحكمة كي يتمكن من ايجاد الحلول للمشاكل التي تمرعليه من قبل طالبي الطلاق والتفريق ,على سبيل المثال يجب ان يحظى قراره احتراما من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فيما يود ان يقوم بمعالجة اقتصادية لزوج وزوجة يودون التفريق بسبب البطالة او العامل الاقتصادي وذلك بتوفير فرص عمل لهما واطلاق القروض الصغيرة والمتوسطة لدعم المشاريع الفردية الصغيرة التي تتبناها وزارة العمل , وبذلك يكون عمل الباحث مجديا اكثر اضافة الى وجوب اهمية تعقيد اجراءات الطلاق في المحاكم الشرعية.”
تهاون القاضي
القاضي حمزة الشمري من محكمة الكرادة يوعز الى تهاون القاضي في موضوع الطلاق وتسريع الاجراءات من قبله الامر الذي أدى الى استفحال هذه الظاهرة في مجتمعاتنا , كما اضاف ” لا انكر نهائيا ان هناك العديد من القضاة لا يهمه في هذا الموضوع سوى انهاء عمله في المحكمة دون التفكير بسلبيات ما قد يوقع عليه من اوراق تخص الانفصال بمن ينوي الطلاق , والدليل على هذا الكلام ان هناك الكثير من المحاميين يلجأون الى محكمة دون الاخرى في تسريع اجراءات الطلاق أكثر من محكمة قد تكون عصية بأجراءاتها وهذا يعود طبعا للقاضي الموجود في هذه المحكمة والذي يكون سهلا نوعا ما في انسيابية الاجراءات . ” كما أكد الشمري :”ان العنف البدني او النفسي الذي قد تتعرض له الزوجة على يد زوجها سبب مهم بين اسباب انتشار ظاهرة الطلاق في مجتمعنا ، كما إن تدخلات الأهل تساهم في بعض الأحيان في زيادة فرصة حصول الطلاق.وهناك سبب اخر حديث نسبيا اخذ يحتل مكانة متقدمة بين اسباب الطلاق الاخرى وهو ارتفاع مستوى الاجور الذي يتقاضاه الموظف، فالمرأة العاملة اصبحت اكثر استعداداَ لطلب الطلاق من زوجها بوجود الخلافات معه لانها اصبحت مكتفية من الناحية المادية وليست بحاجة للرجل.”كما اشار الى ان “معظم الشباب اخذ يستسهل الزواج ، فما إن تربطه علاقة عاطفية بفتاة حتى يستعجل الاثنان بالزواج، بسبب الأجواء المحافظة، التي لا تسمح بعلاقات عاطفية طويلة الأمد، تكون بمثابة مرحلة إختبار للطرفين ليتعرفا إلى بعضهما بعضًا وهذا سيؤدي قطعا الى نهاية مثل هكذا الزواج بعد ان تبدأ الحياة الفعلية بين الطرفين وتبدأ المشاكل تعصف بهما . بالاضافة الى ان الانفتاح المجتمعي على العالم عبر وسائل الاعلام والمعلوماتية، من انترنت ، ساهم كثيرًا في إشاعة نمط ثقافة غربية غريبة على المجتمع العراقي، ما جعل حالة الطلاق مقبولة نسبيا لدى الفتاة والشاب ، فالاولى اخذت تسعى إلى أن تكون أكثر إستقلالية عن الرجل ، والثاني اصبح يحبذ اقامة علاقات عاطفية متعددة مع أكثر من فتاة بعيدا عن بيته وزوجته ما يؤدي الى فشل العلاقة الزوجية بينهما . “





_1617644865.jpg)



