كتاب الحقيقة

الكلام الأبيض.. بالحبر الأسود

 د. علي حداد

  لي أن أعتز وأن أشعر بالغبطة عند الكتابة عن الفنان (عبد الرحيم ياسر) ، المبدع الذي وضع اسمه بين أهم عشرة رسامي كاريكاتير في العالم ، والإنسان الذي تضفي شمائله على وجوده النبيل ما يجعل مودته مناط انشداد لكل من عرفه ، وتلقى نثير طراوة روحه وابتسامته التي يقدمها مراسيم تواصل إنساني مع كل الذين من حوله .      
نذر المبدع الكبير وجوده الإنساني وموهبته ليتحركا ـ بحيوية ما فيهما ـ بين بعدين أساسيين : الطفولة والفن التشكيلي ، فكان أن انتمى الى ( دار ثقافة الأطفال) في بغداد منذ أن قدم إليها ، ليرسخ حضوره رساماً محترفاً ، ولينجز فيها واحداً من أنبل المشاريع الجمالية تلك التي محضها أكثر من أربعين سنة من عمره وحسه وريشته المنداة بكل صفي القيم ، وليبقى لصيق تلك الدار والحفي بمنجزها وتاريخها على رغم الظروف والتقلبات التي مرت بها ، حتى تقاعده عن مسؤوليته فيها مديراً فنياً لأنشطتها النبيلة كلها . لقد دخلها وهو في مقتبل العمر وهاهو يغادرها ، وقد وخط الشيب رأسه ، من دون أن ينال من فتاوة روحه وطراوة ريشته التي تماهت مع الطفولة عالماً وموضوعة تشكل جمالي ،ومساحة عمر تمتلئ بها ، ليفيء وجوده بكل أبعاده الى حيث نضارة عوالمها التي لاتذبل عنده.وكان(عبد الرحيم ياسر) ـ وحين يلقي بريشته خارج عوالم الطفولة ـ فإنما ليدعها تنال حصة هدوئها بجانبه ، كي تراقبه ـ وهو يمسك بالقلم ذي الحبر الأسود ، ليراكم بضعة خطوط تصنع رسماً (كاريكاتيرياً) عميق الفكرة ، مثيراً في دلالته ، ومعبأً بالكلام الضاج  الذي يتماهى مع أفق الاستدعاء من دون أي عبارة مكتوبة داخل إطار الرسم أو تحته تؤشر مقولات خطوطه أو تعلنها مباشرة .وبين رسومات الأطفال ، ورسوم الكاريكاتير فإن من يتأمل صنيع الفنان (عبد الرحيم ياسر) سيكتشف أن مساحة من التماثل القيمي التي جرت مناقلتها بين المجالين هي ماتعلن عن خصيصة خاصة في اشتغاله الجمالي . فهو يحرص في رسومه للأطفال على مقتضيات عالية التجسيد ،في رغبة لخلق تلق مستجيب عندهم , ومن هنا فهي تعايش دأباً جاداً في تتبع التفصيلات حتى أدقها،  والتناهي اللوني اللافت ، وإبراز الملامح واستنطاق حيوية شاغلة لحواس الطفل وذائقته اللونية. أما في رسومه الكاريكاتيرية فإن نزوعاً من الطفولة المشاكسة تلقي بشيء من ظلالها عنده ، إذ يكتفي بلمسات بسيطة التشكل ، لا يجهد فيها لوحته بالخطوط ، ولايزحمها بالتفصيلات ، حتى لكأنه يمسك بالقلم ليصنع تخطيطاته بنفس واحد ، ولا يكاد يتوقف إلا حين ينجز آخر الخطوط فيها.وإذ يطول الحديث عن فن (عبد الرحيم ياسر) للأطفال فإنا نغادره لتأمل منجزه في فن الكاريكاتير ذلك الذي نال به تلك المكانة التي أهلته للعالمية ، فمن يتأمل منجزه في هذا الفن ـ المركب من البساطة الشكلية والاستدعاء الدلالي الذي يتماهى في مساحة مثيرة من التأويل ـ يضع يده على سمات أسلوبه الذي يميزه عن باقي فناني الكاريكاتير العراقيين ، وهم يصنعون ـ بمجموعهم واختلاف أساليبهم ـ مدرسة عراقية متميزة في هذا الفن الراقي .يشتغل (عبد الرحيم ياسر) في رسوماته على تلقي موضوعات الحدث الراهن وإعادة انتاجها برؤية فيها من الطرافة التي يمكن لها أن تصنع ابتسامة متسعة ، وفيها ـ  وفي الآن نفسه ـ من التشخيص ما يثير الأسى ويراكمه . وفي كلا الحالين يكون عنصر المفارقة الساخرة من تلك الوقائع التي تضخ مرارتها في الأفواه والعيون هو الأبرز عبر فاعلية التأويل التي تطرحها رسوماته في فضاء التلقي.
 في عمق (المنظور) الذي تتأسس عليه اللوحة يكون البياض عنده هو الغالب ،  وكأنها رغبة للقول أن ما يحيط بوجودنا البشري هو فضاء من النقاء والبياض الذي ستدنس دواخله بنوازع الشر والطمع والأنانية واستعلائها في السلوك الذي تتلاشى في خضم سطوته كثير من القيم والأفكار والرؤى الإنسانية البناءة.        
وفي ذلك الوسط المشتجر بدراما الموقف ومفارقته فإن مايلفت الانتباه هو سمات المخلوقات وملامح الشخصيات التي تبوء بالرغبات الشريرة تلك التي يملأ مساحة وجودها  بين تكوينات اللوحة باللون الأسود ، أو يلطخ أجزاءاً منها به. وإذ لا يدخل الكلام المكتوب عنصر تفسير أو فاعلية توضيح لما تقوله الشخصيات وتفعله فإن تفصيلات الرسمة هي التي ستملأ ذهن المتلقي بكلام يتجاوز محتوى اللوحة حيث يحط على الشفاه والأذهان تأويلاً يتسع مداه ومدده . وبذا يجيء محتوى الرسم على أقصى ما تستوجبه فاعلية التلقي من الاحتشاد الذكي الذي يستدعي التأمل ويثير الفضول لمواجهة الفكرة وتأويل عمقها ذلك الذي قاله الفنان بأقل جهد من التشكيل .لقد عايشت الشخصيات التي يرسمها هذا الفنان ـ ولاسيما الإنسانية السوية منها ـ أحلام يقظتها وهي تستحيل كلاماً من رسومات محتشدة . هكذا كان حال الرجل الذي يحتضن قفصه حالماً بأسراب من الطيور يمكن له أن يضعها فيها ، لتطارد حلمه ماسورة سوداء لبندقية مجهولة .ويستحيل (القرقوز) في رسم ثان معادلاً موضوعياً للسياسي في البعد الذهني غير المنظور لذلك الصحافي الذي كان يجري اللقاء معه.وحين يطلق ـ في رسم ثالث ـ الآخر غير المنضبط سلوكياً رصاصه في الهواء يتصورها الإنسان الطيب وهي تطلق باتجاه وطنه العراق .عبر هذه التفصيلات ـ وغيرها ـ الكثير دون(عبد الرحيم ياسر) مقدرته الفنية المتميزة التي أهلته للعالمية ، ليصنع لبلده (العراق) حضوراً إنسانياً وإبداعياً يعلن عن نفسه بالضد من تلك الصورة الشوهاء التي أمست نسق تلق عنه ، وعن ممارسات إنسانه الذي وضعته أقداره متراكمة العتمة بحيث تملأ أخبار تلجلجه بين الموت والدمار والفساد الممنهج  آذان العالم ووسائل إعلامه.ومثل هذا الفنان الكبيرـ الذي ندعو إلى دراسة منجزه الخصيب وتدريسه في كليات الفنون ومعاهدها ـ فإن في العراق من الإنجاز الثقافي والعلمي والجمالي مايمكن أن يغسل كل هبوات الليل وحماقاته التي غطت وجه هذا الوطن الطيب .
       يبقى أخيراً أن نقول : إن مايحز في النفس أن قوانين الخدمة المدنية عندنا قد قدر لها ن تظل صماء بكماء ، فهي تنهي العمر الوظيفي لكل من يقع تحت طائلتها عند سن حددتها ، لاتحيد عنها ، ولاتمايز فيها بين طبيعة عمل من تحيله الى خارج الوظيفة ، فهي تستغنى عن المبدع (الشاعر والفنان) الذي تهيأ له أن يكون إبداعه هو مناط عمله الوظيفي كما تفعل مع سواه، وتلك واحدة من المبكيات ـ المضحكات في بلدنا … وما أكثرها.
(عبد الرحيم ياسر) أيها الكبير الأسر : لقد خسرتك الوظيفة… وكسبك إبداعك !
                            *  *  *
* إضمامة :
قلمي بيدي ، ويدي بيضاء
ولكن الروح تكابد ضجتها
بزحام لوني مشتجر الآماد .
من يمنحني عينيه
سأعيد إليه الإبصار 
وأكاشفه بيقين يأخذه
حيث الكلمات الخرساء
تصير ضجيجاً لايهدأ
وحيث اللون الأسود
لايصمت ..إلا أن نعلو هامته
بالأبيض من غدنا .

alhaddad55@yahoo.com                                                                                                 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان