د. علي حداد
ما قيمة أن تكون مثقفاً ـ أو تدعي تلبس تلك الصفة ـ في مجتمع تجبر الظروف أفراده على أن تكون الثقافة خارج اهتمامهم ، لأنها لا تشاركهم لجة احتياجاتهم اليومية من مأكل وملبس ومسكن وخدمات وظروف عيش آمنة ، وتلك كلها من أول أسباب الحياة الإنسانية الطبيعية وبداهات وجودها؟
أي مثقف هذا الذي يتناسى ماحوله من أسى وخراب ، ليبدو بهيئة من (يهندم) نفسه عند أعتاب بيت يحترق ؟!
وأية ثقافة ننشغل بها ونقاربها وندعيها ـ تلك التي تبدو كـ (علكة) معروضة على بطون خاوية ـ وفضاء الإنسان العراقي الراهن لاملاذ له إلا الشتات والخوف وخواء الحاضر وانزلاقه إلى أسوأ ما يمكن تصوره ؟.
ماجدوى ذلك الضجيج النخبوي للمثقفين بكل ادعاءاتهم المعرفية والذهنية والجمالية، وكثير مما حولهم من محيط إنساني في بلادهم يعايش أدنى ما يمكن أن تكون الحياة عليه من افتقاد مقوماتها، حيث الخطف والتهجير، وغياب الكثير من الأهل والأبناء في مجاهيل ما صنعته (داعش) وأمثالها ممن التاذ بعباءة فكره الشوهاء، وهي تمعن في امتداد ظلامي على مساحة غير قليلة من الوطن ومقدرات أهله؟ ماذا يمكن أن تقدمه الثقافة من زاد مدعى لإنسان يرتجف طفله من البرد، وتحرم طفلته من مدرستها، ويسأله أولاده عن بيتهم وملاذ طفولتهم، ولا يجد ما يجيب به غير صمت حارق يجتاح حنجرته ويستبد بها؟ من يخدع نفسه فيصدق أن للثقافة ـ وهي تمارس نخبويتها ونرجسيتها ـ أن تشبع بطناً جائعة أو تروي شفة ظامئة، أو توفر دفء بيت لم يعد له وجود إلا في الذكرى الملتاعة؟ في وطن أهمل إنسانه حتى امتهنت كرامته، ماجدوى الشعر والقصة والأغنية والمسرحية والتنظير النقدي وسواها من ركامنا المعرفي الذي لاسوق له خارج اشتغالاتنا الضيقة، وهي تتحدث عن عوالم لم يعد لها من وجود في حياة الملايين المهجرة التي صادرت حلمها هموم اليوم والأسئلة الملتاذة بحيرتها وضبابية ماتركن وجودها إليه؟
ألا يبدو الاشتغال عليها نوعاً من العبث واللا أبالية، والانفصام عن الأهل ومحنهم التي أمست سديمية وجود لانهاية له، ليصبح المثقف شاهد زورعلى أهله ووطنه؟
ليست هذه تساؤلات موجوعة حسب، إنها تدافع لـسيل من (الثغبات) التي تأكل القلب واللسان، وتضع على الحنجرة جمرة أسى وتفجع. أشعر بالخجل حد الأمحاء ـ ولاشك في أن مثلي كثير ممن تواطأ معي على الانتساب إلى الأفق الثقافي ـ ونحن نجلس أمنين مطمئنين ، لا يكاد ينتابنا القلق على تفصيلات حياتنا اليومية الخاصة، وما يمكن أن يواجهها من الاحتياجات الانسانية المعتادة، مادمنا قد وفرناها لأنفسنا ولبيوتنا وعوائلنا، في تلك اللحظة ذاتها التي نعرف أن ملايين من أبناء وطننا غير قادرين على أن يحصلوا على ابسط احتياجاتهم منها. لايمكن للضمير أن يغافل قيم إنسانيته فيبقى متفرجاً، ولا يجوز لكرامة الانتماء إلى هذا الوطن وأهله أن تلوذ باللامبالاة ونحن نعايش ونتابع ما يترى من مشاهد الأسى وقسوة الحياة التي تواجهها مئات آلاف العوائل العراقية تلك التي هجرت من منازلها، وفقدت معها كل ماتملك، لتعيش في عراء الطبيعة التي كر عليها صيفه اللاهف ، وهاهي لاتجد ماتلوذ به وهي تعاين زحف الشتاء اللاهث على خيامها الملتاذة بوهنها ، وتراجف جنباتها عند اشتداد ريحه ومطره .لا أقول هذا الذي أقوله لأجعل منه نوعاً من جلد الذات وتعذيبها ، في نزوع مستلب للتطهر عن الذنب الذي ارتكبناه ـ نحن المثقفين ـ حين لجأ كثير منا ـ وفي مواقف الفعل ـ إلى أضعف الإيمان ، فلابد من البحث عن السبل ـ وما أكثرها ! ـ التي يستطيع المثقف أن يصنع له من خلالها دوراً مجدياً في ترميم مايقدر على ترميمه من كوارث هذا الوطن المبتلى .
إن المعاناة التي يواجهها أهلنا ـ في حدها الإنساني والوطني ـ أكبر من أن يستوعبها الجهد الحكومي المترهل ببيروقراطيته وتشرذمه ، ومن هنا فلابد للضمير الوطني الشريف أن يبادر ، ليثبت جدارته بالتوصيف الأخلاقي النبيل الذي يدعيه . ما ندعو إليه مساهمة حقيقية من المثقفين ـ أفراداً أومن خلال منظماتهم واتحاداتهم ـ في تجاوز الفعل الثقافي النخبوي الذي يكتفي بالنظر الشزر إلى ماحوله ، ليصنعوا فعلاً عملياً مباشراً يتطوعون له ويشاركون فيه ، يبدأ بأن يجتمع المثقفون ـ أدباء وإعلاميين ومؤسسات مجتمع مدني أخرى ومن شتى مجالات عملهم الثقافي ـ ويتنادوا لجهد إنساني خلاق يخرجون به من ممارساتهم السلوكية المكرورة إلى حيث تداعيات الواقع ، وإلى حيث يصنعون ما ينفع البلاد والعباد.
إنهم قادرون ـ مثلاً ـ على أن يشكلوا الوفود التي تذهب لزيارة مخيمات النازحين ، والوقوف المباشر على أحوالهم،وإيصال صوت معاناتهم الى كل الجهات والمنظمات المسؤولة .
كما يمكن أن يصار عندهم الإجماع على تعليق مهرجانات هذا العام وفعالياته الثقافية المختلفة ، شرط أن يحال مارصد لها الى صندوق خاص يشرفون عليه لمساعدة النازحين .يمكن لهم أن يؤسسوا لجاناً منهم تتولى دعم النازحين بشتى السبل التي قد تكون أقربها إليهم أن يقيموا معارض لكتبهم ولوحاتهم وأعمالهم المسرحية ، ومختلف أنشطتهم الأخرى، ويكون المردود المادي منها بين يدي مايسعون إلى تقديمه لأهلهم .وإزاء ذلك، يمكن لمن يستطيع الاستغناء عن المكافأة السنوية لهذا العام ـ إذا ما صرفت ـ أن يتبرع بها الى الصندوق ذاته ، لدعم العوائل وماتحتاجه من مستلزمات يومية .
بإمكان المثقفين ـ كل بحسب طبيعة عمله : طبيباً أو مدرساً ، أومحامياً ، أو صاحب أي مهنة أخرى أن يسهم في جهد تطوعي لمساعدة أبناء وطنه المحتاجين لعونه .وهكذا فإن آفاق الاسهام النبيل من قبل المثقفين متسعة ، وكفيلة بأن تضعهم في الخضم المباشر لمشكلات بلادهم وأهلهم ، وتؤكد حضور فعلهم وإنسانية مسعاهم. إن ظرفنا العراقي الراهن الممتقعة ألوانه بالهبوات لا يرتضي من المثقف أن يبقى رهن دعة وجوده، وطمأنينة أيامه، وهو الذي يدعى توافره على مقدرة التمثل والاستجابة الشعورية المستثارة لأي مشهد أسى تتلقاه حواسه وتنفعل به دواخله المرهفة. لقد كان المثقف العراقي يجند كثيرا من طاقاته للوقوف إلى جانب أية حالة انسانية مأساوية تحصل في أية بقعة من بقاع الدنيا ، فهل تبلدت حواسنا وأرواحنا حد أنها لم تعد قادرة على أن تستوعب هذا الذي حل بأهلنا ووطننا، وتعلن عن دور حقيقي لها في مواجهته؟.
* * *
*إضمامة:
كل الغناء في
متاهة الخراب قبض ريح
وحفنة من لغة يلوكها الغبار.
لاوردة تزهر في بيوتنا
وماؤها تيه من الأوجاع .
لا طير في جناحه رائحة الضوء
إذا استظل صوته بيابس الشجر.
لا فضة في جسد الكلام
أو ذهب في بارد السكوت
حين يكون المرء في بلاده
مؤجل الآمال والأحلام… والسؤال!!
alhaddad55@yahoo.com





