عبد المنعم الاعسم
يمكن للعقل الاستبدادي ان يبيد امة كاملة بذريعة خروجها على التقاليد، ولهذا وضعت الدول المعاصرة، منذ فجر الحريات وحقوق الانسان تعريفات شفافة ومقبولة ومرنة لمصطلح الاعراف حتى لا يُنكل باصحاب الراي بتهمة الاساءة الى الاعراف، او الخروج عليها، والمهم، توعية المجتمع بماهو رأي حر، وما هو تعدٍ على عقائد الناس. ماهو محبة، وما هو كراهية.
نعم، هناك اعراف ترقى الى مرتبة القيم لكل شعب وامة، وفي كل دولة من الدول المائة والاثنين وتسعين الاعضاء في الامم المتحدة، فيما اكتشفت جماعات حقوق الانسان وخبراء القوانين والمعاهدات الدولية ان ما يزيد على مائة دولة من هذه الدول (اغلبها في جنوب العالم) تضع مفاهيم “الاعراف” في صياغات تحد من حرية الانسان وحقوقه، وان حريات الملبس والتبشير بالرأي والحرية الفردية، مثلا، كثيرا ما تنتهك باسم حماية الاعراف الاجتماعية والدينية، كما لاحظوا ان اكثر الدساتير استخداما لعبارة “الاعراف” في المعنى المناهض لحقوق الانسان هي دساتير الانظمة الشمولية والحزب الواحد والتوتيلتارية، وتضم الوثائق الدولية الثابتة سجلا مخزيا للدكتاتوريات الحاكمة في ممارسة العقوبات الجمعية ضد السكان باسم محاربة خارجين على الاعراف.
ومقابل ذلك، تضع دول متحضرة تطبيقات قيم المجتمع بالكثير من الحذر حتى لا تسيء الى حريات المواطنين او تردع فاعليتهم وتحرص على اشاعة مفهوم اجتماعي عصري يؤكد على ضرورة الفاعلية الاجتماعية السليمة وبناء اجيال مبدعة لا تحاف من العقاب والزجر، وبعكس ذلك فان تكبيل الشبيبة بقيود التخويف باسم الاعراف الاجتماعية من شانه ان يترك الجيل الاكثر انتاجا وابداعا عرضة للانكفاء والضياع ونهبا للتيارات الارهابية والعنف والخرافة.
وليس بعيدا عن هذا المعنى صاغت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان حكما منذ تموز من العام 1968 قضت فيه أن على المشرع الجنائي إيجاد توازن دقيق بين حماية الاعراف ذات العلاقة بـ”المصلحة العامة” واحترام حقوق الإنسان، وفي حال الحاجة الى وضع قيود على ممارسة الحرية فان ذلك يجب أن يكون في مجتمع ديمقراطي، وان تكون هذه القيود مبنية على حاجة ماسة، ومتناسبة مع الهدف المشروع الذي يسعى إليه، وتحذر المحكمة من الإفراط بالتدخل في منظومات السلوك والحرية، إلا لضرورة اخضعت للدراسة العلمية وبوسائل تتناسب مع التوصيف محل الحماية.
تلك هي القضية.
“مأساة الحياة هي ما يموت داخل الانسان في حياته”.
شواريتزر- فيلسوف وعالم دين ألماني





