كتاب الحقيقة

استذكار آخر لهاشمية رسن (رضي الله عنها)

عدنان الفضلي

    المرحومة هاشمية رسن امرأة عراقية اصيلة، تحمل بداخلها كل طيبة الجنوب، وتفوح منها رائحة القصب والطين، وتمتلك لغة جنوبية ورثتها من والدها الذي تقول انه مات وهو راكب فرسه، في اشارة منها الى فروسية ذلك الوالد الطيب.
 اليوم ترقد هاشمية في أكبر مقبرة في العالم، بعد ان فقدت الأمل في الحصول على حقوقها كمواطنة عراقية، لذلك فضلت الذهاب الى جوار ربها على أمل رحمة منه تدخلها جناته الواسعة، فالمرأة لم تجد في بيتها الراحة، كون بيتها لم يعد يسع عائلتها التي تناسلت احفادا، فضلاً عن اسباب كثيرة منها غياب التيار الكهربائي وغياب الخدمات وغياب الوعي الوطني لدى من تصدروا المشهد السياسي.
هاشمية رسن.. وحتى مدة قريبة قبل رحيلها كانت تتمتع بصحة جيدة حين كانت (الدنيا ربيع والجو بديع)، لكنها فجأة حصلت على اذن من ربها بالرحيل اليه، تاركة خلفها عائلة اظنها الان تفتقدها تماماً، فرحيل هاشمية هو رحيل كل ما له علاقة بالماضي الجميل والمفردة العذبة النقية الخالية من التزويق والنفاق الاجتماعي.
هاشمية رسن.. كان لها موقف مضاد من الحكومات جميعاً، باستثناء حكومة الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، (ابو دعير) كما تسميه، باعتباره صاحب الفضل على عائلتها بالحصول على منزل اسوة بسكان مدينة الثورة، ودائماً ما تردد جملتها الشهيرة، (ابو دعير هو اللفانة وسوالنه ابيت يلمنه)، وهي شديدة العتب على الحكومات التي اعقبت حكومة (صديم) وتقصد صدام، واما العتب فمصدره انها -اي الحكومة- قصرت تجاهها حين لم تستطع حل قضية الكهرباء والخدمات، طيلة الاعوام العشرة التي تلت سقوط (صديم)، وبالتالي كانت سبباً في رقودها على فراش المرض ومنعها من الصعود الى سطح المنزل (حتى تشوف وجه الله) وتعاتبه قبل ان تذهب اليه محمولة على نعش ترفعه اكف اولادها المرتجفة حزناً.
 كما ان لهاشمية رسن (هواي عتب) على المسؤولين العراقيين الذين لم يستطيعوا حل ازمة السكن، واعطاءها حق الحصول على بيت تستطيع ان تنام به دون ان تزعج الاخرين من عائلتها التي تعيش في بيت لا يتسع لاربعة اشخاص ، في حين ان تلك العائلة تتكون من عشرة اشخاص ، يتكورون ليلاً في غرفتين مؤجرتين، لانها لم تمتلك منزلاً خاصاً لضيق الحال المزمن.
هاشمية رسن ام لشهيد عراقي، ووالدة لمجموعة خيرة من المخلصين ، منهم من يخدم في الجامعات العراقية وآخر افنى حياته في العمل الصحفي ، لكنه لم ينل سوى الهم والقهر والعزوبية، ذلك هو الزميل الاعلامي والناقد السينمائي صباح محسن، الذي اخبرني ذات يوم ان (هاشمية) في وضع حرج، ودعاني لزيارتها لانه يعلم كم احب تلك المرأة، التي اعتب مثلها على الحكومة التي حرمتها من النوم تحت رحمة (المبردة) ومنعتها من الصعود الى سطح المنزل وكان ذلك قبل رحيلها بأيام قليلة.
هاشمية رسن اليوم ضيفة بارئها، وحتماً افاض عليها برحمته الواسعة، كونها من خلقه الذين كفوا فكهم وفكوا كفهم، ومن عباده الذين سلم الناس من لسانه ويده، فالف الف رحمة ونور تنزل على قبر تلك الانسانة النقية التي كلما اذكرها تنساب الدمعة من عيني لا شعورياً.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان