كتاب الحقيقة

في الثقافة والحضارة …وشجوننا

 د. علي حداد

1ـ2
يجري تداول مفردتي (الثقافة) و(الحضارة) فيذهب ظن البعض أن المفردتين تحملان أفقاً مشتركاً من الترادف الدلالي ، بتصور أن محتوى الثقافة يؤشر قيماً حضارية ، حيث (المثقف) عندنا هو من يحمل أكبر قدر ممكن من المعرفة والوعي باشتراطاتها ، وبدوره فإن (المتحضر) هو من يحمل مشروعاً ثقافياً متقدماً يتصل به مع الآخر البعيد ، ويضفيه على مسلكه ووعيه ومنجزه.
وإذ بدا في الجزء الثاني من العبارة شيء من الصحة كبير ، فلاشك في أن الجزء الأول منها لا يستوفيها كلها ، وذلك لأننا خلطنا بين مفهومي(الثقافة) و(الحضارة) وتصورنا أن نضحهما يصب في إناء التمثل الواحد ، وهو ما انبنى عليه موقف أكثر تعزيزاً لتلك القناعة المخطئة ، حيث الظن بأن (الثقافة) امتياز فردي ينال بركاته من تحصله ، ليتعالى في نخبوية سلوكية على سواه . وكل ذلك تداخل في المفاهيم واليات تمثلها ، قاد في المحصلة الأخيرة إلى إرباكات تطبيقية قلقة . إن (الثقافة) كل قيمي وسلوكي، يتوافر عليه الفرد بوصفه (شخصاً) والجماعة من الأفراد بوصفهم (مجتمعاً). وفي ذلك تصبح (الثقافة)  كل الممارسات الناتجة عن تعالقات الإنسان بمكانه تلك التي ـ وكما أشرنا ذلك في مقالة سابقة ـ تستكمل اشتراطاتها لتجسد إملاءات المكان والزمان وطبيعة الممارسة الاقتصادية ،وأنماط السلوك الجمعي والكيفيات التي يعبر الفرد من خلالها عن المكامن الشعورية والتيقن ألاعتقادي والممارسات الجمالية .
إن هذا (الكرنفال) من الجهد الإنساني الذي تهيأ للثقافة أن تكونه هو أفق متاح لكل مجتمع ، وحصة تفاعل الإنسان مع المكان الذي يشغله في إنتاج ما يخصهما ويميزهما وهوية دالة على التماهي بينهما ، لا فرق في ذلك بين مجتمع غني وآخر فقير، وبين أمة متسعة الأرض والسكان ، وأخرى لا تجاريها فيهما .
وبقدر انشداد المجتمع أو الأمة إلى ثقافتهما والحرص على قيمها والتبشير بها  وأحالتها إلى أفق إنساني ينبه الآخرين إليه ، ويشدهم بقيمه ، تتسع مساحة تأثيرها الثقافي ، ويتحقق له أن ينضوي ـ متواصلاً مع سواه من الجهد الناضج للثقافات الإنسانية الأخرى التي سبقته ، ليستحيل إلى فضاء حضاري يتشكل في مرحلة تاريخية محددة ، منتسباً إلى مسمى يقترن بهذه الأمة أو تلك .
عبر هذه الفاعلية من ديناميكية الوجود تتمسك الشعوب بثقافتها ، وتعلي من شأنها ، لتطورها حتى تصبح (حضارة) تخرج بها إلى العالم لتشارك في جهد الإنسانية الذي تنامى بتلاحق حضاراته.
فالثقافة إذن (هوية) تخرج بمتميزها الإنساني الى الآخرين،في حين تعلن (الحضارة) عن نفسها عبر منجزها الذي يغلب عليه أن يكون مادي التشكل(سياسياً ،أو عمرانياً ، اقتصادياً) ، وله مسمى انتسابي إلى المكان الذي يصنع له مساحته التاريخية قبل أن ينضوي في أفق الحضارة الإنسانية الذي ظل يترى متتابعاً.
هكذا تحقق لثقافة (اليونان) أن تستحيل إلى حضارة ، ولثقافة بلاد فارس ، والهند والصين ، ثم وفي مرحلة لاحقة للثقافة (العربية الإسلامية) التي تماهت بمتحققها مع منجز تلك الثقافات ، ووطدت كينونة متميزة لحضارة إنسانية متسعة ومعطاءة .
واليوم ، وفي آننا (نحن العراقيين) الراهن بتردياته ـ هل لنا  وكما (خلق الله) من الأمم والشعوب الممتدة على مساحة اليابسة وفضائها تلك التي اطمأنت إلى محصولها الخاص من (الثقافة) والى دورها الفاعل في (الحضارة) الإنسانية الراهنة ـ أن نتساءل : مالذي لدينا من ثقافة (بمعنى هوية) نخرج بها الى العالم ، وما الذي تمكناه من حصة  تكون انتساباً مشاركاً في (الحضارة) البشرية ، لنقول من خلاله : هانحن ذا ؟
لعل أول ما يواجهنا ـ على طريق استجلاء إجابة تلك الإشكالية التي تبهظنا من دون أن نجد لها حلاً ، هو توزعنا الدرامي المقلق بين سطوة الماضي التي نلتذ بتذكره والتغني بأمجاده (الحضارية) من جهة ، ومن جهة أخرى انسحاقنا إزاء ضغط الزمن الراهن بمتراكم خوائه وخيباته الذي فقدنا فيه كثيراً من سمات خصوصيتنا (الثقافية) ومقدرة الإسهام في إنتاج أي حيز من (الحضارة)، حتى ليبدو من الصعوبة إقناع الذات ـ قبل الآخرـ أننا حقاً أسلاف أولئك الذين صنعوا ذلك الإرث الحضاري لبلاد الرافدين الذي لم يعد لنا من سجله سوى وقائع (صوتية) نملأ أسماعنا بها ، ونحاول أن نستفز وعينا الحاضر بمقولاتها ،وهو الوعي الذي لم يعد ليثيره صوت أو تستفزه مقولات !
لقد صرنا نعاين ـ بتململ مرتبك لايجاريه فعل محايث ـ حاضرنا الذي لم يعد يدل علينا (ثقافياً) ، مثلما انثلم وجودنا في أن نكون ممن يسهمون في مسار الحضارة الإنسانية الحديثة . وحين هان علينا الإحساس بذلك ، ولم يثر حميتنا فننتفض على مسبباته فقد هنّا على سوانا ، ولم يعد أحد ليأبه لنا ، أو يضعنا في أي توثيق لقوائم الشعوب الحية (لابمعنى التي تأكل وتشرب وتتناسل) بل تلك التي تنتج الفعل النوعي الذي يحسب لها.
لقد تراكمت علينا (الهبوات) التي أخذت الكثير من طاقاتنا الانسانية ، وفي سورات تدميرية تتسع دائرتها بتدرج قدري عجيب ،فتركتنا غير متساوقين الخطى مع الركب البشري ، وصار كل همنا أن نعيش ، وإن كان عيش النائم الذي غادره الآخرون وأدلجوا.
سيجادل البعض مبرراً : وهل ذاك ذنبنا أم هو نتاج سطوة ماحل بنا ، منذ أن وضعتنا أقدارنا في مأزق تاريخي تواترت طعناته بتلاحق مستبد . لقد أخذت الحرب العراقية ـ الإيرانية حيوية الجسد العراقي حين نزفت أجيال من شبابه أعمارها في حرب لا يعرف العراقيون ـ يومها وإلى الآن ـ  لماذا اشتعل أوارها وتواصلت حرائقها، ولم استمرت لثماني سنوات ضروس ، ولماذا توقفت في ذلك التاريخ الخرافي(8 /8 /1988 م) ؟ كانت حصة  تلك الحرب من جسد المجتمع العراقي أن تقتطع منه فتوته وأن تستبد بالطاقة المنتجة لأجيال من شبابه ، لتغلق على طموحات من تبقى منهم حياً باباً صلدة من الانكسار وتوجس اللحظة القادمة،وضباب الآمال المهدورة،حتى لم يعد ليشغل معظمهم أي هاجس آخر بقدر هاجس البقاء أحياء .
ثم حل بالعراقيين الحصار الذي وسع دائرة الأسى هذه المرة ، لتشمل جميع أفراد الفئات متوسطة الدخل والفقيرة الذين فرض عليهم أن يبيعوا معظم ما لديهم لئلا يموتون جوعاً . ولم يغادرهم ذلك الحصار اللاإنساتي إلا بعد أن وضع مقدرات وجودهم في يد الاحتلال البغيض الذي أربك حسهم الوطني وباغته قبل أن يصحو تماماً على هذا الذي يعايشونه اليوم من موت مجاني وخراب ومحن متدافعة اتسع فضاء أساها ـ هذه المرة ـ ليستوعب العراقيين … العراقيين كلهم.
    
                                  *  *  *
* إضمامة :
يا … لهذا العراق
وطن طيب
حطه الرب في باحة من ضياء أثيل
وسوره بمصابيح من ذهب أسود ونخيل
ومسد أنهاره … فغدت سلسبيل
وحين استوى قامة من أهلة خصب وصحو
تعاوره الرمل ،واحتدمت حوله هبوات الشرور
وصار له قدر أن يرد (الخنازير)عن مائه
عبر كل العصور.
alhaddad55@yahoo.com

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان