د. علي حداد
2ـ2
لقد تدافعت وقائع مأساتنا العراقية ـ التي سيجزم من يتصفحها ـ مقارناً إياها بما مرت به سوانا من الأمم والشعوب ـ أن تاريخ أسانا الراهن لا يكاد ليوازيه تاريخ آخر باحتشاده التدميري المريع ـ لينتج ذلك كله ـ وعبر أكثر من ثلاثين عاماً من تلاحق الكوارث وتدافعها ـ وقائع مادية ومعنوية جسدت خرابنا القيمي والثقافي الذي أمسى كل منا يحمل ـ بيمينه وشماله معاً ـ سجلاً مزدحماً بالذي فيه من التشوهات الأخلاقية والسلوكية والمعرفية التي تجاوزت حد كونها (مشكلات) ممكنة المعالجة ، واستحالت (إشكاليات) تعجز من يفكر بحلول راهنة لها ، وها نحن نؤشر هنا بعضاً منها .
أرسى الدين الإسلامي نظاماً للحياة متكاملاً بين بعدي (العبادات) و(المعاملات) ليضيء بهما سبل الدين والدنيا معاً ، حيث المحجة البيضاء العالية الإشراق لمبادئه التي سعت إلى أن توطد حضورها مباركاً في التبني القيمي للمجتمع ، فكان لها ذلك في المجتمع العراقي ـ كما هي في غيره من المجتمعات المسلمة ـ عبر مراحل تشكل وجوده كلها .
غير أن ما بدا في العقود الثلاثة الأخيرة من ممارسات لا يرتضيها قويم المسلك الإسلامي ـ ولاسيما بعد أن تقمص كثير من الأدعياء شخصية رجل الدين بمجرد ارتداء سمته ـ وبما أساء للدين وجوهره، لتتسع هوة الخراب القيمي، لاسيما حين دلف كثير من أولئك الطارئين على المنزلة الاعتبارية لرجل الدين إلى السياسة ، بدعوى إضفاء قيم الدين وروحانيته عليها ، وهم على دراية أن السياسة لا يطهرها الدين بل هي من ستلوث عباءة نقائه ومبدئية منطلقاته ، بحكم ما لابد لها أن تمارسه من أساليب (براغماتية) تبرر فيها كل الوسائل لحساب الغاية .
لقد ابتلينا ـ في المرحلة السابقة ـ بأدعياء ولجوا فضاء الدين النقي بنوازع دنيوية ، فبرروا للحاكم المستبد مسلكه الخاطئ (من الخطيئة لا الخطأ) ، ووظفوا قيم الدين لخدمة مراميه الباطلة، حتى لقد أضفى بعضهم عليه قدسية المكانة والنسب والدور. ليواصلوا ـ هم أو نظراؤهم ـ ذلك في مرحلة ما بعد سقوط النظام، وبمسعى أكثر فظاظة وشراهة دنيوية وتكفير للآخر، لينتهوا بأن أسلموا الوجه الناصع للإسلام ـ ومعه شاسع من أرض وطننا ومقدرات إنسانه المتجرع كأس مكابداته التي لاتكاد تنضب ـ إلى من يرتكب باسمه أبشع الممارسات التي تأنف عنها أبعد المجموعات البشرية عن المدرك القيمي الديني سواء أكان وضعياً أم سماوياً.
وفي لحظة الكشف المهول ـ بعد سقوط النظام السابق ـ عن انهيار كامل مؤسسات الدولة العراقية التي أراد لها الأمريكان وأدواتهم ذلك ، لم يجد الفرد العراقي ـ بعد الدين ـ من يلجأ إليه دريئة يحمي بها وجوده من انتهاك لا رادع له أخذ يتفشى من حوله سوى (العشيرة) وهي قيمة اجتماعية عالية ومبجلة.
وإذا كان النظام السابق قد اشتغل على تهشيم تلك القيمة الاعتبارية ، فصنع شيوخاً تنتمي في تزلفها إلى رأسه لا إلى عشائرها، وشيوخاً أدعت المشيخة بقوة دعمه لها، بعد أن تخيرها النظام من القاع الاجتماعي، فقد ولت تلك المرحلة إلى غير رجعة، ولكن لاحقتها التي نعايشها اليوم لم تكن بأحسن منها، فقد أوجدت شيوخاً من أنماط مضافة، فهناك الشيوخ المزعومون بقوة الأعوان وسطوة المال، والشيوخ الذين يرفعون شعار: (انصر ابن عشيرتك ظالماً أو أكثر ظلماً) ، وهناك المد المثير للعجب من (شيوخ تحت الطلب) الذين أوجدهم ظرفنا الغرائبي الطارئ، أولئك الذين يمررون بعيداً عن عباءة العشيرة الشريفة أبشع الصفقات وأكثرها إثارة للغرابة والعجب الذي تبدو تفاصيله نوعاً جديداً (وعراقياً بامتياز) من (الكوميديا السوداء) .
وفي عتمة هذا التردي المتعدد الأشكال من تشتت الرؤية ، وفقدان الملجأ الآمن الذي يمكن للمرء أن يركن إليه وجوده الاجتماعي ومدركه الثقافي وقناعاته الأخلاقية ـ حيث لم تعد الدولة تسور طاعتها بالقانون ، وحيث تلاعب بقيم الدين كثير من أولئك الذين وصفهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأنهم ” لبسوا للدنيا لباس الآخرة “، وحيث تلاشت المكانة الاعتبارية للعادات والتقاليد الفضلى التي خلفها لنا أسلافنا الأبعدون والأقربون ـ فقد انهارت جوانب أساسية من المنظومة القيمية لدى فئات من أبناء مجتمعنا المثخن بالأسى ، ولم يعد لها وللمتمسكين بها والداعين إليها من مكان منظور أو فعل يحسب حسابه. فسادت نزعة الأثرة والتملك المادي بأية وسيلة . وفرضت فئات طفيلية حضوراً داهماً ، مستندة إلى السطوتين المتحكمتين : المال والقوة ،عبر التنافذ مع عصبية الجماعة بهوياتها المختلفة .
لقد تهشمت جوانب أساس من تفصيلات المنظومة الاجتماعية وتجلياتها الثقافية ،ولم يعد هناك من حرص حقيقي على أية قيمة معنوية ، فتلوثت العقول والضمائر والقلوب ، وصار أمر اتساخها مألوفاً ، لنألف معه اتساخ شوارعنا وساحاتنا ومدننا ، تلك التي تحولت إلى (مكبات) للأزبال والأوساخ ، حد أن أمست العاصمة (بغداد) ثاني أوسخ مدن الدنيا ، إن لم تكن أولاهن!!.
وفي زفير هذا الوجود المر أصبح حديثاً بطرأ أن تشير إلى مكانة العلم وأهله ،وضرورة الفن وصانعيه ، وأن تدعو نفسك ومن حولك الى قيم الصدق والخير والجمال والنظافة واحترام الزمن والصداقة الودود والجيرة الكريمة ، وإلى مثيل ذلك من القيم الإنسانية التي تستحيل الحياة بدونها وجوداً قاحلاً .
هكذا … ومن خلال ذلك وفيه ضاعت كثير من قيم الثقافة ومرتكزات التحضر التي سعى مفكرو هذا البلد ومثقفوه إلى إرسائها في بنيته منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ، وأمسى من يقرأ ويتأمل ويدعو إلى مجاراة فضاء الحضارة الراهن المنشد إلى طمأنينة حاضنته الإنسانية مثار سخرية البعض ، ولم يعد طلب العلم (فريضة) ، لتتجاوز نسبة الأمية في بلادنا لدى فئة الشباب وحدهم الثلث ، ونسبة المتسربين من التعليم أكثر من نصف طلابها . ولم تعد المدرسة (أماً) رؤوما لا تمل ، ولا البيت أو(الطرف) أباً كريماً يعلم الشهامة والنخوة والوقوف مع الجار ومساعدة العاجز والمحتاج .
لقد ضريت العتمة أطنابها حول تلجلج ألسنتا وقلوبنا ، ولم يبق من خيار لأعماقنا المنزوية إلى كثير من الوجع إلا أن تصرخ : وماذا بعد ؟.. وإلى متى ؟ … وهل هناك من ضوء في أخر نفق وجودنا الكليم ؟
وحين نستعيد توازننا ونتأمل مابين أيدينا من حكمة إلهية تصدح باليقين سنجد أن الحل كان دائم التمثل أمامنا ، ولكننا نتغافل عنه أو نتناساه : ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” ، و …صدق الله العلي العظيم .
* * *
على حافة البئرـ بئر الأماني المضاعة ـ
حيث المسافة بين الحقيقة والظن
وخرائبنا … والضياء الذي غادرها كمداً
أقرب من رفة الجفن
يجلس ( جلجامش ) الأمس واليوم ، منتحباً :
ـ أيها الغرباء …
أيها الممعنون بقاحل أحلامهم
مالذي تفعلون بحكمة أسلافنا
أيها الغرباء..؟؟





