صباح الخطاط
بين ليلة وأخرى تطل علينا بين شاشات التلفاز وعبر الفضائيات التي لاعد لها ولاحصر وجوه نتعرف على مسمياتها من خلال مقدم البرنامج (فلان الفلاني) محلل سياسي او محلل عسكري او محلل اقتصادي او..او.. ويعلم الجميع بأن مثل هذا العنوان يطلق اويمنح او نتصوره لشخصية سياسية معروفة له ماض مشرف في مقارعة الانظمة الدكتاتورية او عميد الجامعة الفلانية او استاذ العلوم السياسية في الكلية الفلانية فإذا كان ضيف البرنامج بهذا المستوى فأنه افاد المشاهد بمعلومات تدخل ضمن اختصاصه ودراسته وعلمه بهذا الشأن، وكما قال المثل العامي؛ (انطي العيش لخبازته) ويكون للمتلقي بهذه الحالة اطمئنان راسخ لبناء فكرة مقبولة يستقبلها بأستجابة واعية.
الا اننا في الاونة الاخيرة نشاهد(المحلل) المزعوم.. اذا كان (محللاً) عسكريا..!! فهو لم يطبق الفرضة والشعيرة أساسا في ميادين الرمي ولامرة في حياته، او انه اصلا لم يلتحق بخدمة العلم وكأنه متخلف او هارب منها، ولم يقم برمي اطلاقة واحدة في جبهات الحرب التي فرضت علينا قسراً وبالاكراه من قبل الطاغية صدام، ولم يبت في ارض الحرام ولا ليلة واحدة، ولم ير حتى في الاحلام ارض معركة ما، الا اللهم شاهد مقاطع من برنامج صور من المعركة! وبطولات ذلك (المحلل)تنحسر في اطلاقه بضعة عيارات نارية من مسدس جيرانهم في حفل زفاف ابن عمه!! وفي تلك الاستضافة يسطر لنا بطولات وهمية، علما بانه شخصية نكرة بالنسبة للمشاهدين، ولم يكن معروفا في مجال البحث. اما عن (المحلل) السياسي فحديثنا ذو شجون..! فتحليله لايمت بصلة الى السياسة والسياسيين فكلهم من زمن الملكية وعبدالكريم قاسم مرورا بزمن عبدالسلام عارف وعبدالرحمن عارف وصولا لزمن صدام حسين، لم نر احداً قد صرح سواء من خلال المذياع ام التلفاز، او وصف لنا أو (حلل) سياسيا حالة او حدثا، ما عدا ماكان يكتبه في نشرات الاحزاب التي كانت توزع سراً خوفا من الجهات الامنية. وفي زمن الفضائيات الديمقراطي يصرح (المحلل) الهمام تصريحات بعيدة كل البعد عن الحقيقة! فماهي مقاييس اختيار مثل تلك الشخصية لبث سموم افكاره الهدامة، ليلوث بها عقول ذوي النفوس الضعيفة ليستمع لآرائه المشاهدون وهو لم يكن شاهد عيان في تلك الحالة، وليس ممن لديهم ممارسة او خبرة او من المتميزين بين اقرانه في ذات الموضوع.
ملخص القول انقل لكم قصة حقيقية حدثت اواخر ايام الحكم الملكي في العراق توجز علي وعليكم ماابغى الوصول اليه مفادها:
جيء بمتهم الى قاعة المحكمة يرتدي دشداشة شاداً وسطه بحزام جلد عريض ويعتمر على رأسه (چراوية بغدادية) وادخلوه الى داخل قفص الاتهام لتهمة اتهم بها، وعادة ما تسأل المحكمة المتهم عن اسمه وعمره وشغله، بعدها توجه اليه أسئلة الاتهام.
فسأله القاضي عن اسمه؟ فرد: فلان الفلاني وعن عمره اجاب 42 سنة وعن شغله قال: سياسي!!
جفل القاضي وخلع نظاراته.. حدق بالمتهم وجال بنظرة فاحصة من اعلى جراويته الى قدمه مركزا بدقة على ملامحه فلم يجد مايوحي بادعائه عن عمله (سياسي) كرر الاسئلة عليه ثلاث مرات فكانت اجابته كما اجاب بداية باسمه وعمره وشغله! تحير القاضي بداية بعدها خطرت له فكرة لاختصار السبيل للوصول الى شغله ان كان فعلا سياسيا ام لا فسأله قلت شغلك سياسي فأجاب :نعم فبادر القاضي :شنو رأيك بـ(دوايت ايزنهاور) وكان وقتها رئيساً للولايات المتحدة الامريكية للفترة 1953 – 1961. طلب المتهم من القاضي اعادة السؤال فأعاده عليه ..صمت برهة واحنى جراويته الى الامام وحك مؤخرة شعر رأسه بأبهامه الايمن وغرق في الاستذكار ليجيب بعد ذلك بثقة عالية وبصوت مسموع :”جناب القاضي صارلي 15 سنة بالطولة هيج حصان ما مر علي”.. ضحك القاضي والحاضرون والتفت الى كاتب المحكمة وقال له :” سجله سايس ..مو سياسي”.





