الفريد سمعان
قبل بضعة ايام صرح السيد وزير الكهرباء برسالة بعثها الى الشعب العراقي الجريح بكل ما تضمنته هذه الكلمة من اسى ورعب واحزان ارسل للمعذبين الساجدين لاسلاك الكهرباء المعلقة بوقاحة وكأنها تسخر ممن يمر تحتها او يلقي نظرة عابرة عليها.. سواء أكان شاباً او عجوزاً.. طفلا او مراهقاً.. امرأة او رجلاً ترى ماذا قال السيد الوزير وهو لم يلق الكلام جزافاً فقد حلق بكلماته الطيبة في الاجواء ورسم خارطة للمحنة الكبرى التي استطاعت ببراعة ان تمتص مليارات الدولارات وكانها لم تفلح في تبرير مشاعر المواطنين الابرياء.
ترى ماذا قال السيد الوزير.. لقد (بشرنا) بان ازمة الكهرباء سوف تحل بشكل نهائي عام (2020).. اي بعد ست سنوات عجاف. لقد ارعبني هذا المنطق… رسم امامي جداراً كونكريتياً لا ادري مقدار الامتار التي يمتطيها وحبست انفاسي.. فشعرت بدقات قلبي تضطجع على فراش اليأس وتكاد تتوقف.. لاني كنت قد وعدتها – ولست وحدي- بان الوزارة الجديدة سوف (تقتص) من الوزراء السابقين الذين رحلوا خارج الوطن وهم يعدّون ما حصلوا عليه من الملايين التي تبددت على ارض الاستثمار والمقاولات التي عقدت مع شركات اجنبية او مقاولين عراقيين ممن عرفوا بحرصهم على الوطن والمواطنين واهتمامهم العميق جداً باحزانه واشجانه.. وهم يستلمون الدفعة الاولى من قيمة المقاولة ويضعون قبلات ساخنة على جوازات سفرهم التي سوف تحملهم على طائرة مجهولة الهوية الى مكان لا يمكن ان تطاله يد السلطة الوطنية التي تسلمت السلطة من ايادٍ دكتاتورية فعلت ما فعلت.. وقتلت من قتلت وروعت من روعت ولكنها لم تخذل المواطنين بالشكل الذي نراه الآن فقد كانت مبرمجة وساعات محدودة لهذه المنطقة او تلك.. وبشكل منتظم الى حد كبير ولا اريد ان اصفق لعهد مضى وغاب اقطابه في احضان مصير لم يكونوا يحلمون به.
ترى ماذا يعني تصريح السيد وزير الكهرباء.. وببساطة ودون حذلقة يعني ان المواطن سوف يعاني من ازمة الكهرباء فترة زمينة طويلة وسوف تظل ساعات الانقطاع تأكل من لحمه ويظل يلهث في الصيف الكافر وهو يبحث عن نسمة باردة تطفئ اللهب الذي تقذفه الشمس الغاضبة علينا.. وليست وحدها.
وهو يعني ايضاً (استمرار) اصحاب المولدات باحتكار الكهرباء وتعذيب المواطنين والتحكم بمصيرهم! ويعني ايضاً انفاق الملايين على الاسلاك التي تشتبك مع بعضها وتجتمع في فوضى عارمة وهي تعبر الفضاء وتتكئ على الاعمدة… وتتمزق مع كل عاصفة.. تهب.. او سيارة عالية لا تتحملها هذه الاسلاك البائسة… وتتجمع الايادي ويعود المواطنون لانفاق الملايين على اسلاك جديدة تحمل البهجة والسرور لاصحاب محلات بيع الادوات الكهربائية، ويعود الصبيان لتسلق السلالم وإكمال عملية (تجديد) المظومة الكهربائية الممزقة. كل هذا وسواه.. من الصراخ والعويل والاحتكاك والصراع واصحاب المولدات يبتسمون في اعماقهم ويترحمون على وزراء الكهرباء السابقين ويقدمون – في اعماقهم- عبارات الشكر والامتنان للوزير الجديد.
انا لا ادري ان كانت قضية الكهرباء مشكلة ازلية لم تجد معها الكتابات والمولدات والاسلاك والمشاعر الجياشة والمصائب. اليس هنالك نوع من التواضع لادراك هذه المسألة التي (تعالت) وترفقت على عقولنا واموالنا وتجاربنا ومداركنا وهل نحن الوحيدون في العالم نستهلك الكهرباء وعلى سبيل المثال هل تستهلك بغداد اكثر ما تستهلك لندن او برلين او موسكو هل اولئك بشر نوابغ ونحن اغبياء لانفهم ولا ندرك ولا نتعلم.. اذن لماذا كل هذه الطلبات العلمية والابحاث والابنية والمعامل ووووو….
انها رسالة اليك ايها السيد وزير الكهرباء وانت تدرك جيداً بان الكهرباء هي الصمام الاول في بناء حياتنا المعاصرة ولعلك لم تسمع بما قاله لينين بعد انتصار ثورة اكتوبر العظمى بان اول عمل يجب ان نقوم به هو (كهربة البلد) لان البلد بدون كهرباء يعيش في ظلام آسن ولان اختفاء الكهرباء هو تجميد للمعامل وكل المرافق الاخرى التي تشمل توزيع المواد الغذائية او البنزين والنفط والدهون .. وانتاجها وتسويق المواد الزراعية. انها الحياة.. ارجو ان لاتحرمنا منها ايها السيد الوزير لاسيما ان المليارات بين يديك وايادي السلطة الوطنية والمؤمنين بعراق جديد.





