د. علي حداد
لن يكون عمود هذا الأسبوع مقالة في موضوعة ثقافية بعينها ، بل سنجعله توثيقاً لبعض الوقائع العراقية ـ ذات الطابع الثقافي والحضاري معاً ـ تلك التي تدون ما كان لمن سبقنا ، ساعين بها إلى استفزاز أفق التلقي الراهن ، عله يعقد المقارنات ، ويوازن بين ماكان لنا في زمن ليس ببعيد ، زمن من المؤكد أن أهله ماكانوا راضين عما هم عليه فيه ، مع أنه ـ وفي الأحوال كلها ـ أفضل بكثير من زماننا هذا الذي تردت جوانب كثيرة منه ، وتوالت وقائعه بما لا يسر.
ويبقى من وراء القصد أن تثير استعادة تلك الوقائع تساؤلات تفتح حدقات عيوننا وصداح أصواتنا إلى أقصاها ،لتنغر في ضمائر من أوصلونا إلى مانحن عليه اليوم، وتثل مضاجعهم ، وتحرك ساكن من رأى منكرا تلك الفعلات ولم يبذل جهداً لتغييرها لا باليد ولا باللسان .
* * *
كان موقف (معروف الرصافي) من جلالة الملك (فيصل الأول) شديد الجرأة ، فقد جاهر بانتقاد حكمه ، وهجاه في قصيدة طويلة أحدثت حينها ضجة ، ومن بين ماقاله عنه فيها :
وليس له من أمره غير أنه يعـدد أياماً ويقـبض راتبا
وحين افتتحت أول مدرسة ثانوية في العراق ـ أواخر عشرينيات القرن الماضي ـ هي ثانوية (التفيض) ، فقد أقيم احتفال كبير برعاية الملك فيصل نفسه ، وكان الرصافي ممن دعي لإلقاء قصيدة بالمناسبة . ولما رآه الملك بعث إليه من يستدعيه عنده ليعاتبه على ماقاله في حقه ، مذكراً إياه بما كان له من مواقف بطولة ومواجهة مع الفرنسيين ، فكان رد الرصافي: مولاي ، أنت تذكر ما كان وأنا تحدثت عما هو كائن اليوم .
ابتسم الملك الوقور بوجه الرصافي وهو يردد : شاعر من يقدر على لسانه؟!
* * *
أطلقت (منظمة الورود العالمية) اسم السلطان قابوس على إحدى ورودها ، تقديراً لاهتمامه بحدائق الزهور التي ملأ بها شوارع (عمان ) وساحاتها ، حتى لم تكد لتخلو بقعة منها.
ومما يروى لدى العمانيين أن ملكة بريطانيا كانت أهدت والده السلطان (سعيد) سيارة خاصة ، ولأنه لم يجد في بلاده ـ ولا في البلدان الخليجية المجاورة ـ من (يسوقها) له فقد بعث إلى الحكومة العراقية يطلب مساعدتها بإرسال سائق عراقي يتولى قيادتها له العراقيين ، وقد تم له ما أراد . كان ذلك في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي!!
* * *
(محمد علي لقمان) واحد من شخصيات التنوير والنهضة العربية ، وخير ممثل لها في بلاده اليمن في النصف الأول من القرن العشرين ، ولاسيما في الشطر الجنوبي ـ آنذاك ـ من اليمن .
لقد كانت تطلعات هذا الرجل ـ المتحضر والأديب وأول من نال شهادة (بكالوريوس) القانون في الجزيرة العربية كلها ـ لخدمه أهله وبلاده لا حدود لنبلها . وقد أدرك بوعيه المتميز أن التعليم هو أولى خطوات النهوض والتقدم ، وحين تطلع من حوله إلى البلدان التي يمكن أن تمد لوطنه يد العون لم يجد أفضل من العراق في هذا الجانب ، فبعث برسالة إلى جلالة الملك (غازي) ملك العراق حينذاك راجياً منه مساعدة أشقائه اليمنيين في قبول عدد من أبنائهم في المدارس العراقية ، وهو ماتم فعلاً ، ليصبح أولئك الدارسون ـ بعد عودتهم إلى بلادهم ـ نواة النهضة الثقافية والمعرفية في جنوب بلاد اليمن السعيد .
* * *
(طه باقر) واحد من أعلام العراق وأساتذته الأكاديميين البارزين في دراسة الآثار والتنقيب عنها ، حتى أطلق عليه وصف (عاشق الطين) . كان يجيد قراءة اللغات العراقية القديمة والترجمة منها ، فضلاً عن إتقانه اللغة الانكليزية والفرنسية.عرض عليه الزعيم (عبد الكريم قاسم) منصب وزارة التربية فلم يقبل ، وقال له إن العمل في الآثار أحب إليه من الوزارة .
وفي أواخر العهد الملكي كان (طه باقر) مديراً للمتحف العراقي ، وقد جاءه في أحد الأيام طلب من رئيس الوزراء الباشا (نوري السعيد) الذي يروى عنه أنه لم يكن يلفظ اسم العراق إلا مضموم العين ، وحين يقال له أنها بالكسر كان يرد : لا والله لا أكسر (عين) العراق؟!
كان الطلب أن يهيأ المتحف (في يوم جمعة) لاستقبال وفد إنكليزي يزور العراق، الأمر الذي رفضه (طه باقر) وبعث للباشا من يخبره أن علينا أن نحترم أنظمتنا وقوانيننا لكي يحترمنا الآخرون ؟!
* * *
تحدث الأستاذ الراحل الدكتور (عناد غزوان) في أحدى اللقاءات التلفزيونية عن سفره في أواخر الستينيات إلى بريطانيا للدراسة، وهو الشاب القادم من مدينته (الديوانية) ، وقد سألته مقدمة البرنامج كيف وجد لندن ؟ فقال إنها لم تكن لتختلف كثيراً في نظره عما كانت عليه بغداد!! .
* * *
في العام الأول من (سبعينيات) القرن الماضي اتفقت بعض إمارات الخليج العربي على أن تتوحد تحت مسمى (دولة الإمارات العربية) ، وقررت الحكومة العراقية ـ آنذاك ـ أن ترسل وفداً رفيعاً يشارك في هذه المناسبة الكبيرة ، برئاسة نائب رئيس الجمهورية الفريق الركن (الطيار) حردان التكريتي ـ الذي أبعده صدام لاحقاً وعينه سفيراً للعراق في الكويت ، ثم بعث له من اغتاله هناك ؟!
رغب حردان أن يقود طائرة الوفد بنفسه ، وهو ماتم فعلاً . وحين دخلت الطائرة أجواء الإمارات العربية اتصل بالسلطات هناك سائلاً عن المطار الذي تستطيع الطائرة الهبوط فيه ، فاعتذروا بأنهم لايملكون مطاراً ! . فطلب منهم إرشاده إلى شارع مسفلت يكفي طوله لهبوط الطائرة ، فكرروا الاعتذار بأنهم لا يتوافرون على مثل ذلك الشارع… فاضطر قائد الطائرة (العراقي) حردان التكريتي أن يهبط بها على شارع ترابي!!
* * *
ذهبت ـ العام الماضي ـ إلى أحد البلدان العربية ، وقد اضطررت إلى البقاء في مطار دبي ـ الفخم والشاسع الذي لا يمل المرء من التجول فيه ـ أكثر من سبع ساعات. وفي إحدى (الكافتريات) بداخله جلست لأشرب شاياً وكان يجلس قبالتي رجل داكن السمرة عرفت لاحقاً أنه من (نايجيريا) ويعمل مهندساً في السعودية .وقد تردد كثيراً قبل أن يوجه لي سؤالاً يبدو أنه كان يلح عليه: هل صحيح أن (الكهرباء) أمست المشكلة المزمنة لديكم في (العراق)؟!
وحين أجبته بنعم منكسرة. قال: لقد أوصلنا ـ في نايجيريا ـ الكهرباء إلى أبعد المدن وأعمق الغابات، فكيف تكون الكهرباء معضلتكم ـ أيها العراقيون ـ وأنتم الذين كانوا يشبهون (نايجيريا) بكم، فيطلقون عليها وصف (عراق) أفريقيا؟!
* * *
لاعنباً ظل بأيدينا ، أو … سلهْ !
الناطور الأهوج
داس على كل عناقيد العنب الناضجة
وهو يمني النفس
بكأس خلود موهومهْ.
والسلة
حطمها الآتون من الليل …بما هو أليل؟!





