حازم لعيبي
الكاتب الجيد والمبدع حين يغيب عن مجاله الحيوي بإرادته ولأسباب معروفة تَحضر كتاباته وشخصيته في اماكن أخرى، وبالتأكيد يُستذكر من قبل قرائه ومحبيه عند وبعد شروعه بالانسحاب والتواري عن الانظار، ويكون الحضور مضادا نوعيا للغياب، على الاقل لمن يعرف نوايا هذا الكاتب ومدى جديته منذ بدايته وانشغاله لانجاز مشروع ابداعي وانساني.
كاتب مثل عبد الخالق گيطان، وهو شاعر له أكثر من مجموعة شعرية، وناقد مسرحي، وكاتب عمود صحفي ومعد برامج تلفزيونية، وكاتب دراما، بشكل مفاجئ شد الرحال تاركاً وطنه الام عائدا الى المنفى لأسباب لا يعرفها سوى بعض اصدقائه المقربين جداً (اسباب غامضة ولم يتحدث بها علناً). والاشكال ليس رحيله فالكثير غيره هاجر واستقر في المنفى، لكنه قرر العودة بعد رحلة النفي الاولى لكي يستقر في العراق وجاء القرار في الرحيل مرة اخرى تاركاً البلد بما حمل….
عاد گيطان الى العراق بعد عام التغيير (2003) وعمل في أقسى ظروف الاحتقان الطائفي، وهي فترة عودته الى حين رحيله “سنتين تقريباً”، لم يكن عبد الخالق ذلك المثقف العادي بل كان صوتاً مدنياً عالياً وبجرأة الشاعر قدم عشرات المقالات النقدية والتحليلية عما يحدث من تمشكلات وتداعيات داخل الدائرة الساسة وما أحاطها، وحاول كثيراً عرض افكاره الابداعية وتجاربه الحياتية من خلال عموده الصحفي في جريدة العالم، مرة منتقداً واخرى مقترحاً ما يتمناه لبلاد ما بين النهرين.
حلمه في دولة مدنية، دولة الحريات والديمقراطية، ارتبط باحلام الشاعر الحداثي منذ نصوصه الشعرية الاولى تجد المدينة وقيمها حاضرة بقوة، وقد تمسك بهذا بعد عام 2003 ودعا في معظم كتاباته لمجتمع حر وكريم وديمقراطية حقة وكان من اكثر الكتاب الذين سخروا اقلامهم ضد العنف والطائفية والعلل المرتبطة بها، ويبدو ان سبب رحيله او بالاحرى غيابه عن الساحة الاعلامية له علاقة بدرجة الصدق والحماسة وتبنيه قيما انسانية نبيلة خالصة لا يشوبها ازدواج حتى في السلوك اليومي، هو ممثل لكتاباته اينما حل في الشارع والمقهى، مع اصدقائه و زملائه، نعم اينما كان…
شخصياً لست عارفاً السبب المباشر في خيار النزوح بعيداً، وقراره في العودة مرة اخرى الى غربة قسرية عن الوطن الام. لكن كاتباً جيداً مثل الصديق الشاعر عبد الخالق گيطان حتى وان تعرض الى التهديد او الجزع واصابه نوع من الاحباط من معادلة البلد شديدة التعقيد يفترض وبعد اكثر من سنة من الغياب عن دائرة الضوء الصحفي والاعلامي، وهو الكاتب النشط، متعدد المواهب ان يستبدل انسحابه الجسدي من البلد بعودة الى مجاله الحيوي والابداعي حتى وان كان عن بعد، وهذه ليست رغبتي أنا حازم لعيبي بل ان كثيرا من الاصدقاء المبدعين نبهوا الى ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي، ونبوءة النزوح في مجموعة الشعرية “نازحون” الفائزة بجائزة عبد الوهاب البياتي لا أتمنى ان تتحقق ويبتلى بها حاله حال نازحي بلاد ما بين النهرين….





