كتاب الحقيقة

يابدر … لقد تركنا اسمك مكتوباً على الماء!!

 د. علي حداد

 

ليست هذه مقالة عن (بدر شاكر السياب) أو مقاربة لشعره ، فالأمران أكبر من مساحة هذا العمود وانشغالاته . بل هي عنا نحن العراقيين الذين غادرنا السياب منذ خمسين عاماً إلى حيث طمأنينته الأبدية، تاركاً بين أيدينا ودائعه من الرؤى والجمال والدهشة، ظاناً أننا سنحرص عليها الحرص كله ، ونصدح بها مآل اعتزاز وفخار ، ونستعيد ـ  من بين الذي نستعيده منها ـ ما كرسه للوطن ، فننشد معه:
 ” فيا ألق النهار/ اغمر بعسجدك العراق
 فإن من طين العراق/ جسدي ومن ماء العراق ”            
أو نطيل الوقوف عند ما تركه لناـ آخر أيامه ـ من (وصية من محتضر)حملها أقصى ما يمكن أن يقوله لسان الصدق المنتمي إلى وطنه :
 “أبناء شعبي في قراه وفي مدائنه الحبيبة
 لا تكفروا نعم العراق
 خير البلاد سكنتموها بين خضراء وماء
 الشمس ، نور الله، تغمره بصيف أو شتاء
 لا تبتغوا عنها سواها
     لقد ظل السياب يستعيد الترنم بوطنه ثيمة عشق لايملها حتى أخر أنفاس عمره الإنساني والشعري .وإذ ترصد القراءات الجادة ذلك المرتكز الشعري عنده وتستوفيه فإن لمتلقيها أن يلحف بالتساؤل الذي يجلد الوعي والذاكرة والضمير: وإزاء ذلك ..ماذا قدم الوطن لهذا الشاعر في حياته ؟
ألم يتركه نهباً لآلامه ولبحثه عند (اليد الرحيمة) التي تمتد إليه من خارج وطنه ، حتى مات غريباً منكسر النفس والقلب والمشاعر؟؟.
واليوم … وها نحن على أخر أذيال هذا العام المغادر الذي (جزى الله فيه خيراً) الأشقاء من أدباء الأمارات العربية ومثقفيها إذ اقترحوا أن تكون هذه السنة (سنة السياب) ، ليتبنى اتحاد الكتاب العرب الأمر ويعممه على البلدان العربية  التي احتفت واحتفلت ـ وعلى مدار هذا العام ـ بالسياب وتجربته الشعرية . وكان اللافت الذي يحز بالنفس أن يكون بلده (العراق)  من بين أقلها انشغالاً بهذه المناسبة !
لقد كنا ننتظر أن تدرك الحكومة العراقية ـ بمؤسساتها كلها ـ قيمة هذه المناسبة المتسعة التداول في المحيط الثقافي العربي وخارجه لتبيض جانباً مما تلوث من صفحات السجل العراقي الراهن الذي استوفت أخبار الموت والخراب والفساد في الأرض ومن و(ما) عليها أغلب مساحته .
كنا نأمل أن تعمم وزارة الثقافة العراقية الإعلان عن هذه السنة في مشروع ثقافي يليق بالسياب ومكانته. وأن تعد منهاجاً حافلاً باستذكاره. وأن نجد صورة السياب واسمه وقصائده وقد أزالت (نشاز) ما خلفته صور الكثير من الذين تهافتوا على مائدة الترشيح لانتخابات البرلمان ، تلك التي مازال بعضها يلقي علينا سخرية إطلالته المتجهمة .
كنا نأمل أن تطبع أعمال السياب (طبعة شعبية) في الأقل ، وتوزع على المدارس والمعاهد والكليات وكل الهيئات ذات الشأن الثقافي ، لتصبح زاد ثقافة وجمال يحتاجه الوطن وأهله في وقتهم العصيب هذا.
كنا ننظر أن تصدر الحكومة (طابعاً بريدياً) في هذه المناسبة . وأن تطلق محافظة بغداد اسم السياب على واحد من شوارعها الجميلة والنظيفة (إن وجد مثل ذلك الشارع) ، علها تبعث برسالة اعتذار للسياب ـ وهو في قبره ـ لما لاقاه فيها من إهمال،وظنك عيش ومطاردة ، وسجن وتشريد ، أجبره على أن يهجوها بقسوة بالغة. أما مدينته (البصرة) فلأمرها شجون أخرى . لقد عقد فيها منتصف الشهر الرابع من هذا العام ملتقى أدبي عن السياب ، وحضره عشرات الأدباء العراقيين . وكنت أعددت دراسة عن البعد الثقافي لتجربة السياب الشعرية. وحين اعتليت المنصة عدلت عن تقديم البحث محدثاً الأخوة عما وجدته أهم ، وهو: كيف يمكننا أن نصنع للسباب ومنجزه ماهما جديران به من مكانة وحضور في مساحة الإبداع الإنساني ـ وليس العراقي أو العربي وحدهما ـ ونوثق تجربته ، لنجعل من البصرة من خلال ذلك محط عين كل من يريد أن يتواصل مع تراث السياب؟ .
ومن بين مادعوت إليه في هذا الشأن أن يؤسس في البصرة مركز للدراسات والبحوث اسمه (مركز دراسات السياب) ، وليس ذلك الأمر بالصعب التنفيذ، فكل ما يتطلبه أن توفر جامعة البصرة أحدى المباني ـ وما أكثرها لديهاـ وأن تتولى محافظة البصرة ومجلسها الجانب المالي من المشروع ، في حين ينصب جهد الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وفرعه في البصرة على مسعى جمع تراث السياب ، وما كتب عنه من مؤلفات ورسائل جامعية وبحوث ومقالات. لقد قرأت في عيون المثقفين والأدباء الحاضرين ثناءهم وتبنيهم لما طرحته، ما جعلني ألحف بإدراج فكرة هذا المشروع ضمن التوصيات التي خرج بها الملتقى، وذلك ماتم فعلاً.  ولكن… هاهي سنة السياب على وشك أن تطوي آخر أنفاسها، وماسمعنا أو قرأنا أن هناك من سعى بيده أو لسانه ـ من أهل البصرة أو سواها ـ للاشتغال على تنفيذ تلك التوصية… فيا للأسف الذي سيذهب بي للتساؤل المر: لو كان ورثة السياب غيرنا فهل سيكون أمرهم معه كأمرنا؟.  لقد بادر الأشقاء الفلسطينيون ـ وبعد أيام من وفاة الشاعر الكبير (محمود درويش) الذي كثيراً ما صرح بانتسابه إلى مدرسة السياب الشعرية ـ إلى عمل متحف باسمه ، وضعوا فيه كل مقتنياته ، فلماذا لفنا الصمت عن تراث السياب منذ نصف قرن، ومانزال؟
 وغير ذلك ـ وفي شأن السياب وحده ـ يحق للتساؤلات أن تترى آسية:
فهل جاءنا نبأ الذي فعلته له (جامعة درهايم) في شمال لندن حين بلغها أن السياب أتاها يوماً وقدم أوراقه ليسجل فيها طالب دراسات عليا، ولكنه غادرها بعد أيام قليلة بسبب البرد وإلحاف المرض والوحدة عليه؟
هل بلغنا ما فعله الروس حين أدركوا أنهم لم يقرأوا السياب جيداً؟.
هل تابعنا مافعله الأشقاء في الإمارات العربية من احتفاء لم ينقطع طيلة العام بالسياب وبشعره وبعائلته وأقربائه  وأصدقائه، وبدارسيه من كل أقطار الدنيا؟.
أما نحن العراقيين أهله فكل بضاعتنا فيه أننا اكتفينا بأحاديث هنا وهناك وبندوات وكتابات متباعدة ،بدا معظمها نوعاً من الفرض الذي ينبغي إسقاطه بأقل جهد. وذاك ديدنناـ لا مع السياب وحده ـ بل مع كل كبار هذا الوطن من العلماء والأدباء والمفكرين؟!
وإذ بقي اسم السياب عندنا ـ كما تنبأ هو بذلك يوماً ـ ” مكتوباً على الماء ”  لم يبق لنا نحن الذين ابتلينا بالإنشداد المعرفي ـ قبل العاطفي ـ لفيوض تجربته ،لا بوصفه شاعراً بل ظاهرة ثقافية شكلت مفصلاً تاريخياً باذخاً وتحولاً خطيراً في الوعي والإنجاز ومسار الذائقة العربية المعاصرة، إلا نوكل أمرنا وأمر السياب إلى اليوم الذي يدرك فيه من بيده الشأن السياسي ومقدراته أن الأوطان وإنسانها إنما يرتقيان بالثقافة والإبداع ، والوعي باشتراطاتهما ، وتحصيل أكبر حد ممكن من مقدراتهما وتبجيل صانعيهما، وتخليد ذكرهم…وحتى يحل ذلك اليوم ليس لنا إلا الصبر والسلوان.
 *  *  * 
لم يقل السياب في الموت قصيدة
بل سار إليه بكل أناقته الشعرية
ليسائله عن كنه اللحظة
حين تصير رماداً بين يديه
عن (جيكور) تشيب
عن (ظنك) العمر:
كيف إذا مسده الموت بكفيه
يصير فراغاً متسعاً؟.
ولأن الموت كان يعد له عدته
لم يصغ لواهن نبرته
فقرر ـ أعني السياب ـ
أن يرجع من حيث أتى
لكنّ الريح أغلقت الباب
فما عدنا نسمع إلا حشرجة لنداء منكسر:
“بويب … بويب
أجراس برج ضاع في قرارة البحر”

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان