كتاب الحقيقة

كيف حدث هذا؟

عبد المنعم الاعسم

 

أشفقُ على”المسؤول” الذي يذكرني بصدام حسين، سلوكا وكلاما وتعاملا مع الوظيفة والجمهور، واشعر بالغثيان حين يتحدث ذلك المسؤول عن المظالم التي لحقته شخصيا جراء معارضته لصدام حسين، والتضحيات التي قدمها دفاعا عن العدالة التي كانت منتهكة، والضحايا الذين سقطوا من عائلته على يد سلطات ذلك العهد، وغدا كل ذلك حشوة من السخط ومثارا للاستفزاز في وجداني، بل صرتُ أهزأ من تكرار القول ان ابن خلدون رصد كيف يحاول الضحية ان يتمثل سلوك جلاده، فان للكثير من الجلادين والطغاة فضائل (ولو صغيرة) مسجلة لهم (مثل الظهور بمظهر المبتسم السعيد) فلماذا لا يتمثل اصحابنا المسؤولون هذه الفضيلة، على الأقل.
لا يعنيني الآن اجراء المقارنة، او المماثلة، أو التشبيه بين مسؤولنا الجديد والنموذج الصدامي البغيض، انما يعنيني حالي، وحال جيل من ابناء قضية الحرية، نحن  الذين كنا ضحايا مسؤول قديم أدار طاحونة الإذلال والعنجهية والجور في دمائنا، ومسؤول جديد يدير تلك الطاحونة عن قصد او من دونه، والحق، انه لولا جبروت حكم ورعونة صدام حسين، وما ترسب منها في ذاكرتنا وحافظة عذاباتنا، ما كنا نُستثار من صورة المسؤول الذي يقطعون الشوارع، ويزجرون المارة، لتأمين مروره سالما الى احضان عائلته التي تقيم في ما يشبه الثكنة.
احسب، تعليقا على ذلك، ان الامر ذو صلة ما بما يسمى بالمنعكس اللاشرطي الذي اطلقه العالم البايالوجي الروسي إيفان بافلوف في القرن التاسع عشر ونال عنه جائزة نوبل العام 1904 ويقوم على رصد تفاعل الانسان، والحيوان أيضا، مع التأثيرات الخارجية المديدة واستمرار هذا التفاعل مع غياب وجود مصادر التأثير واشكالها، وكانت تجارب بافلوف على الفئران والكلاب في غاية الاهمية حول تحول المنعكس الشرطي (مظالم صدام مثلا) بالتكرار لسنوات طويلة الى منعكس لاشرطي حيث يثير غضب الضحية حالما تبدو له المظالم مرة اخرى.
وكان ابو حامد الغزالي صاحب (تهافت الفلاسفة) قد لاحظ في إحدى بحوثه طغيان (الروح الخيالي) لدى الانسان مستشهدا بالكلب الذي يهرب بعيدا كلما رأى العصا إذا كان يضرب بها في السابق باستمرار، ويلوح بها شخص آخر فيما بعد، ما يبقي هاجس الالم قائما في اللاشعور حتى مع ابتعاد خطر العقاب.
اما رسول حمزاتوف فيذكر ان أبناء قريته في اقاصي داغستان كانوا قد هجروا نبعا من الماء كان قد شهد مذبحة لعشرين من نسائهم، وكان الجيل الثالث من ابنائهم يرتعبون ذعرا كلما مروا بالنبع، وكان كثير منهم يضطرون للمشي يومين بدل ان يسلكوا الطريق عبر النبع مخافة ان يتذكروا بشاعة المجزرة.
كيف لنا ان نهرب من هؤلاء الذين يذكّروننا بصدام حسين، وهم يقتحمون علينا منازلنا عبر الشاشات الملونة، على مدار الساعة؟.

“ينتج العناد عن محاولة الإرادة إقحام نفسها محل العقل”.
     شوبنهاور 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان