اراء وأفكار

لماذا ضحايا الحُب رجال؟!

مهدي الاصيل الدراجي

عندما كنت صغيراً أبلغ الثامنة من عمري، كنت في زيارةٍ لإحدى المراقد المقدسة، لفت إنتباهي موقفاً غريب وقتها، كان مجموعة من الرجال يحملون شيئاً خشبيا على اكتافهم ويرددون كلمة ” ﻻ إله إلا الله ” سألت أخي اﻻكبر عن هذا الشيء ؟ رد قائلاً هذا الشيء يسمى ( جنازة) يحملون به الإنسان عندما يموت ، فسمعت كلمة الموت لأول مرة وكنت أجهل هذه التسمية بل اجهل حتى الموت وكيفيته أيضاً ، راودني الفضول لأعرف سألته عن الموت وكيف يكون، رد قائلاً : عندما يبلغ اﻻنسان ويصبح عجوزا ويهرم يكون الموت نهايته ، فكونت هذه الإجابة وقتها قناعة بأن الموت يأخذ كبار السن فقط !! ولكن بعد مرور دقائق لفتت إنتباهي ( جنازة) في مقدمتها صورة لشاب كلما تتجه نحوي تظهر معالم صورة المتوفى بشكلٍ أوضح ، فكان هناك تساؤل يدور في خلجات نفسي أن كان الموت يأخذ كبار السن فقط لماذا أخذ هذا الشخص وهو في ريعان شبابه ؟! ساقني الفضول لأعرف قصة هذا الشخص ، وكنت اسمع من الزائرين في المكان إنه في ريعان شبابه ماهو سبب وفاته ؟ فرأيت الزائرين يتوجهون صوب ( الجنازة) لمعرفة سبب الوفاة من أقاربه ، وكنت متشوقا لمعرفة السبب ، وبعد مرور دقائق عرف الكثير سبب موته ، وكنت أشاهد من مسافة صغيرة رجلاً يسأل أحد الأشخاص ماهو سبب موته ؟ أجابه ” موت هذا الشاب سببه (الحب) ” وفي وقتها بدأت استنتاجاتي الطفولية وقلت ، لماذا لم يكتشفون علاجا لمعالجة مرض الحب ؟! كان من اﻻجدر أن يضعوا تحذيرا صحيا لمن يسبب الحب والإبتعاد عنه حتى لايموتون بسببه !!! وبعدها دعوت دعاء ” اللهمَّ أبعد عني الحب وﻻتجعله يقتلني ” لأنني ظننت بأن الحب مرض !! ، ثم سمعت امرأتين يتحدثان إن سبب وفاة هذا الشخص إنه يحب فتاة وأراد الزواج منها رفضته وكان الرفض من قبلها مؤلما فساءت حالته الصحية وتوفي ، أيضاً دخلت في حيرة من امري وتساءلت ماعلاقة الحب بالنساء ؟ هل هن سبب هذا المرض ؟! هذه التساؤلات كانت السنين والتجارب كفيلة بالإجابة عنها ، وبعدما كبرت وتقدمت في عمري تبين لي أن الحب شعور يسري في اﻻنفاس ﻻياخذ أذنا بالدخول وإنما يدخل ويتربع علىٰ عرش القلب ليحول الشخص الى سجين وبسجنٍ بلا جدران او قيود ، هذا الشخص المتوفى لم يكن اﻻول وﻻ اﻻخير فقد سبقه أشخاص اماتهم الحب ، تنقل لنا الروايات بأن ضحايا الحب رجال فقط أمثال قيس بن الملوح الملقب (مجنون ليلى) وعنترة بن شداد ورجال كثر ، نرى رجالا قتلهم الحب ولم نر امرأة قتلها الحب !! هذا ان دل فإنه يدل على أن الرجال أوفياء في الحب ومستعدون للتضحية حتى لو تطلب ذلك حياتهم. قرأت لاحد ضحايا الحب وهو قيس بن الملوح يقال بعد أن لم يظفر قيس بالزواج من معشوقته ليلى أخذه والده للحج ليدعو له بنسيان ليلى، أمره والده بالتعلق باستار الكعبة وقال له ادع الله ان يشيفيك من حب ليلى ذهب قيس وقال” اللهمَّ زدني لليلى حبا وبها كلفا وﻻ تنسني ذكرها أبداً “، وأروع بيتين قرأتهما لقيسهما:
        توسد أحجار المهامـه والقفر
            ومات جريح القلب مندمل الصدر
        فياليت هذا الحب يعشق مرةً
                فيعلـم مايلقى المحب من الهجـر
يقال ان هذين البيتين كتبهما قيس في اخر لحظات حياته ووجدت مكتوبة عند رأسه ، ولقيس ديوان شعري في عشقه لليلى حيث كان لهذه القصة تأثير كبير في اﻻدب العربي بشكلٍ خاص واﻻدب التركي والهندي وحتى الفارسي وهي إحدى القصص للشاعر الفارسي ( نظامي كنجوي ) في كتابه ( الفصول الخمسة)؛ والسؤال المطروح إذا كانت حكاية قيس وعشقه وهيامه بليلى اثرت في اﻻدب واثرت بكل من قرأها وتصفح سطورها، إذن.. كيف كانت الحالة لقيس نفسه وهو صاحب الحكاية؟ حتى عبارة (النساء أولاً) انبثقت عن الوفاء اﻻدمي وتضحيته من أجل الحب هذه العبارة لها قصة عجيبة حدثت في إيطاليا في القرن الثامن عشر الميلادي ومفادها أن شاباً من إيطاليا وقع في حب فتاة واتفق الاثنان على الزواج ولكن الشاب لقي معارضة شديدة من قبل أسرته والتي اضطرت لتهديده بعدم مباركة هذا الزواج وكبرت الضغوط على الشاب والفتاة فقررا ألا يفرقهما سوى الموت وخوفاً من أن يفترقا قررا الانتحار فتوجها إلى صخرة عالية جداً ومطلة على البحر، وعندما قررت الفتاة القفز أولاً منعها الشاب من القفز لأنه لا يستطيع أن يراها تموت أمامه وقرر الشاب أن يقفز أولاً وبالفعل قفز الشاب وسقط ومات ، فما كان من الفتاة عندما رأت هذا المنظر إلا أن غيرت رأيها وغدرت بالشاب وعدلت عن مرافقته إلى الموت وعادت إلى البلدة وتزوجت من شخص آخر وخانت حبيبها الذي ضحى بنفسه من أجلها وعندما علم أهل القرية بذلك قرروا أن تكون النساء أول من يقوم بالأعمال ، وظهرت مقولة (النساء اولا) ، ناهيك عن قصة (الطائر) و (الوردة البيضاء) عندما أراد الطائر لقاء الوردة البيضاء رفضت الوردة دون ان تعلم ماذا يريد ذلك الطائر ، وعندما أصر الطائر للمرة الثانية قررت الوردة إرسال شقيقها لتوبيخ الطائر واﻻبتعاد عنها والكف عن مضايقتها ، لكن الطائر لم يهتم لامر شقيقها وأصر على تلك الوردة ، لكن الوردة البيضاء قررت ان تشترط منه شرطاً تعجيزيا لو أراد مقابلتها ، طلبت الوردة البيضاء من الطائر وقالت له في حالة تغير لوني من اﻻبيض إلى اﻻحمر ساوافق بك ، وظنت بانه شرط ﻻيستطيع الإيفاء به، لكن الطائر حقق شرطها وقام بتجريح ونثر دمائه على الوردة وأصبح لونها أحمر ، وقررت الموافقة عليه ، لكن بعد فوات اﻻوان وبعد ان جفت دماء الطائر التي نثرها لتحقيق شرطها ، وتوفي الطائر حزنت الوردة فعلمت الوردة مدى حب الطائر لها ، ﻻتذرفي الدموع أيتها الوردة لأنكِ لو حملت ثناياكِ ( الحنان ) لعرفت مشاعر الطائر الجياشة نحوكِ ، لكن ماذا نقول كان التعنت والغرور سلبك كل ( الحنان ) وجعلك تزهقين روحا ضحت بحياتها لإثبات الحب ، هذه التضحة والوفاء يترجمه آدم وسط غياب لمشاعر حواء ، ﻻن آدم يتلذذ بحب معشوقته ؛ اما حواء تتلذذ بعذاب عاشقها ، فصوﻻت آدم في الحب في كل زمانٍ ومكان لم تقف عجلة الزمن من القضاء على الحب اﻻدمي ، وكلمة (الحب) علىٰ الرغم من قلة حروفها اﻻ إنها حملت في طياتها أبلغ المعاني ، والحب أشبه بحرب سقط منها الراء وبقي الحاء والباء ، ولو ﻻحظنا اكثر نجد ان الحاء ابتعاد الشفتين الواحدة عن اﻻخرى والباء التقاء الشفتين يعني لقاء بعد فراق ، والحب غيتار المرأة هي الوحيدة التي تجيد العزف علىٰ أوتاره إما بسمفونية (الحنان) أو (الآلام) والحب رواية فصولها الشهداء من الرجال ، ﻻبد أن نعشق من تستحق وﻻ نسرف بمشاعرنا لمن ﻻ تستحق ، والمرأة هي المتهم التي تقتل المعشوق وﻻ يستطيع اي قانون محاكمتها سوى الضمير ، ﻻ تعذبي او ترفضي من احبك وعشقكِ وحمل لكِ حب و عشق العاشقين يا حواء ﻻنه وببساطة ﻻ يكرره الزمن لكِ ، ما أجمل ذلك الحب عندما يترجمه العاشق لمعشوقته بخاتم وفستان أبيض لمن حملت (حنان) في ثنايا قلبها ، وليس لمن حملت صفة (الغرور) ، وتترجمه المعشوقة بوفاءٍ لعاشقها ، حواء يا من حملت صفة (الحنان) أما ان اﻻوان لتترجمي هذا ( الحنان) على أرض الواقع ، فآدم حمل لكِ ( الحنان ) في وجدانه وقلبه وفؤاده ، ومن يحمل الحنان ﻻيعرف معنى الكراهية، وأخيراً أقول ياحواء كوني للحنان ترجمان، وﻻتجعلي مشاعرك بي تستهان، فأنا عاشق الحنان المحب الولهان ، الذي حمل قلبه لك حب قيس وعنترة وحب كل إنسان ، فلنبدأ حرب العشق فقد ان اﻻوان .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان