حوارات وتحقيقات

حوادث المرور.. حرب غير معلنة

  المشكلة المرورية واحدة من المشاكل التي تفاقمت خلال السنوات الاخيرة بشكل بات من غير الممكن السكوت عنها كما هو حاصل الان من قبل الجهات التنفيذية المسؤولة، لاسيما اذا ما علمنا ان هذا الموضوع له مساس مباشر بسلامة المجتمع ويتسبب بحالات وفاة واصابات كثيرة لالاف المواطنين يوميا، فضلا عن علاقته بقتل الوقت والتهام الاموال والتلوث البيئي وما يعكسه هذا التلوث من مشكلات صحية للمجتمع… وانطلاقا من ذلك  على الحكومة والمجتمع عدم الاستسلام  لهذه الاشكالية واتخاذ موقف المتفرج دون حراك لدرجة تنم عن عدم المسؤولية، لان ذلك يعني اننا سنصل في قادم الايام الى امور خطيرة تتجاوز الخطوط الحمراء ولا يمكن معالجتها. ان الصمت الذي نراه اليوم امام مشكلة المرور يدلل على قلة الوعي الحكومي والمجتمعي، لاننا امام خسائر بشرية فادحة ومادية كبيرة ومعانات نفسية جراء الاختناقات المرورية وتلوث البيئة، كما يتضرر المجتمع من الضوضاء الناتجة عن حركة السير، ورغم ذلك نراه صامتا، ولاتوجد إشارة إيجابية واحدة تدل على السعي الجاد للحد من هذه الآثار على المستويين الشعبي أو الرسمي على حد سواء… التحقيق التالي أجريناه بشان مشكلة المرور التي لايكاد فرد بالمجتمع لاتمسه اثارها القاتلة والمدمرة..

 

فلاح الشمري

    الحوادث المرورية
تعد الحوادث المرورية وما تخلفه من خسائر بشرية ومادية العنصر الأول من مكونات المشكلة المرورية، وتعود أسباب الحوادث إلى تدني مستوى تخطيط المدن بشكل عام يستوعب الحاضر والمستقبل، ويراعي زيادة وسائل النقل، وزيادة السكان، والأنشطة المهنية والتجارية والأسواق والمعاهد والجامعات والفنادق والمطاعم وصالات الأفراح، وكذا تخصيص مواقف عامة وخاصة، ومتنفسات وأرصفة للمشاه، وهذا ما انعكس خلال السنوات الاخيرة بعد نشوء احياء لم يكن مخططا لها.
تشير إحصاءات وزارة الصحة العراقية الى ان حوادث المرور احد الاسباب الرئيسية للوفاة، حيث فقد حوالي 75000 شخص حياتهم خلال الفترة 1976 الى 2005 بسبب الحوادث او حوادث المرور وعلى الرغم من القيود المفروضة على الحركة في عام 2005 بسبب الوضع الامني في العراق كان هناك 1789 حالة وفاة ناجمة عن حوادث المرور اكد هذه الاحصائية بالارقام وزير الصحة في الحكومة السابقة  الدكتور مجيد  صمد امين واشار بان على الرغم من ان حوادث المرور هي مشكلة صحية عامة رئيسية الا انها لطالما نظر اليها في مجال الصحة العامة باعتبارها حادثا وحدثا عشوائيا يقع على الاخرين وان هذه الاحداث نتيجة حتمية للتنقل على الطرقات الا ان الادلة التي بين يدي منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي الان حول امكانية تجنبها تجلب الامل للدول المختلفة وكشف تقرير في وزارة الصحة لعام 2009، ان حصيلة حوادث الطرق في العراق تزيد بما يقرب من اربعة اضعاف على حصيلة الاصابات من جراء عمليات الارهاب جاء ذلك التصريح في مؤتمر عقدته وزارة الصحة العراقية حيث تم اطلاق برنامج عقد للعمل من اجل السلامة على الطرقات في 11- آيار 2011- 2020 . ويتعهد بخفض مستوى الوفيات المرورية بحلول 2020 وتم اطلاق هذا البرنامج بين وزارة الصحة ووزارة الداخلية وبتعاون منظمة الصحة العالمية وفي الوقت نفسه تم اطلاق البرنامج في وزارة الصحة في اقليم كردستان العراق حيث اكد وزير الصحة في الاقليم ، بان السلامة على الطرقات اصبحت هدفا رئيسياً في جهود تعزيز الصحة الوطنية واضاف ان مواصلة تطوير البنية التحتية للطرق وانظمة المرور محورية لانقاذ ارواح الناس وتعزيز التنمية الاقتصادية.
  وباء
عد باحثون ومسؤولون حوادث السير، بانها  وباء أي ان الزيادة في حوادث الطرق اكثر من المتوقع. وقد بدأت آثارها السلبية تكبر وتزداد خطورة منها زيادة عدد الأرامل والاطفال اليتامى جراء الحوادث المرورية فضلا عن الفقر وتفكك الأسر. ويشير الباحثون الى ان نوعية الطرق المعبدة اكثرها لايضمن السلامة اما بسبب قلة اعراضها وعدم وجود مناطق امان لسير السابلة او لكونها خطا واحدا ذهابا وايابا، مشيرين الى ان الخطورة تكمن في التقاطعات على الخطوط السريعة، كما يحمل الباحثون بعض سائقي السيارات مسؤولية الحوادث المرورية وتهديد سلامة المجتمع عن طريق التهور والسرعة، والتجاوز، وعدم احترام الأولوية للمشاه، وعدم الاهتمام بوسائلهم، إضافة إلى تدني الوعي المروري وعملية الانتشار المروري بوسائله الحديثة لرصد وضبط المخالفات، خاصة في الطرق بين مراكز المدن. وبسبب حجم الخسائر البشرية المرتفع الناجم، وما تخلفه من إعاقات صحية واقتصادية تعتبر الحوادث المرورية حرباً غير معلنة، وللأسف يستسلم لها المجتمع كقضاء وقدر دون الوقوف على أسبابها ووضع الحلول والتوصيات الكفيلة بتقليص عددها والحد من آثارها، بل تُحفظ إحصائياتها، وما تخلفه من نتائج مأساوية في سجلات شرطة المرور وفي وزارتي الصحة والتخطيط، ولم تثر اهتماماً على المستويين الرسمي والشعبي!!
  الجهات ذات العلاقة تتجاهل
برغم الاثار المأساوية لحوادث المرور هذه الحرب غير المعلنة  تبقى الجهات الرسمية تلزم الصمت ازاءها، اذ لم تقم باي نشاط ملحوظ واجراءات فعالة للحد من حوادث الطرق وخفض ضحاياها كما لم تنشر اي احصائيات جديدة، حيث كانت اخر احصائية عراقية وردت في تقرير لوزارة الصحة لعام 2012 اشار الى أن 5450 مواطنا قتلوا بسبب الحوادث المرورية في العام الذي سبقه حسب ارقام فحص الجثث في الطب العدلي لكافة محافظات العراق، ووفقا للتقرير فان هذا العدد يشكل ما نسبته 25.2% من مجموع وفيات العراق. وقد  حلت أربيل في المرتبة الأولى في أعداد الوفيات وجاءت بغداد ثانياً، بينما كانت عدد الإصابات بسبب حوادث المرور أكثر من 85 ألف إصابة لعموم العراق. وفي تقرير مماثل لعام 2011 كان عدد ضحايا الحوداث المرورية 4040 ضحية أي أن الزيادة في عام 2012 بلغت 26% . ويرى بعض المختصين ان سبب حوادث المرور في العراق هو زيادة عدد السيارات وقيادة السيارات من صغار السن او من الذين لا يجيدون قيادة السيارات.
وتشير احصائيات شبه رسمية الى ان العراق استورد ما يفوق قيمته الـ 7 مليار دولار من السيارات بمختلف الاحجام منذ2003 حيث سجل تراجعا ملحوظا في الرقابة المرورية بسبب الفوضى المرورية التي عمت البلاد خلال الاعوام التي اعقبت الاحتلال الاميركي. وفي احصائية لعام 2010 ان حوادث الدهس بلغت 3360 حادث دهس”، و هذه النسبة “تشكل 45% من مجموع الحوادث المرورية”. وبلغت “حوادث الاصطدام 3177 حادثا، ونسبتها 43%، وتليها حوادث انقلاب المركبة وعددها 826 حادثة، أي بنسبة 11% من حوادث الطرق” أما الحوادث الأخرى،  فقد بلغت 89 حادثة، ونسبتها 1%. وحسب احصاءات وزارة التخطيط لغام 2011 فان نسبة الذكور من قتلى الحوادث المرورية 79%، مقابل نسبة 21% من الاناث. وذكر مسؤول في وزارة التخطيط إن “أعلى نسبة من الحوادث المرورية حدثت بسبب السائق، إذ تسبب سائقو السيارات بوقوع ما نسبته 73%، أما الحوادث الباقية فقد توزعت اسبابها على عدم متانة السيارة اوالمشاة”.
وقالت منظمة الصحة العالمية ان 75 الف عراقي قتلوا في حوادث المرور للفترة من 1979 الى 2005.
 وذكرت ان عدد ضحايا المرور عام 2005 كان 1789 ونقلت المنظمة عن وزير الصحة قوله ان عام 2009 شهد عددا من الاصابات نتيجة حوادث المرور 4 اضعاف اعلى من اصابات العمليات الارهابية لتلك الفترة. وعلى العموم ذكر موقع منظمة الصحة العالمية ان العراق يحتل المرتبة الرابعة دوليا في نسبة حوادث المرور القاتلة وهي 44.7 من كل مائة الف من السكان بعد نامبيا الاولى بنسبة 53.4 والثانية سويسرا بنسبة 28.2 والثالثة ملاوي بنسبة 45.4 اما اقل نسبة فكانت في المالديف ومالطا وجزر مارشال واليابان.
  آثار اخرى
 هذه الأرقام تبين الخسائر المباشرة، وهناك خسائر مادية في الوسائل، ناهيك عن الخسائر التي تعقب الحوادث على شكل جهود طبية (كوادر وأدوية) والتي تستحوذ على نصيب كبير من حصة الأمراض الأخرى، لاسيما في ظل تدني الدعم الحكومي للخدمات الصحية. ويترافق مع الحوادث المرورية أضرار فادحة كحدوث إعاقات وعجز في صفوف الضحايا، مما يجعلهم يشكلون عبئاً ثقيلاً أشد وطأة من المتوفين لأنهم يصبحون عاجزين عن العمل، ويحتاجون إلى رعاية صحية دائمة.. كما أننا نلحظ أن معظم الضحايا من وفيات وإصابات ترتفع في صفوف الذكور، لأنهم يتحركون بدون قيود اجتماعية، وتقل نسبة الوفيات في صفوف الإناث نظراً للقيود الاجتماعية، وتكمن الخطورة في أن الذكور من البالغين عادةً هم من يعيل الأسر، ووفاتهم أو عجزهم بإعاقة تُدخل الأسرة في عداد الفقر والجوع والتشرد والضياع.
  نامل ان يعي كل طرف مسؤوليته عما يحصل من حوادث مرورية احيانا يراها البعض امرا عاديا ولكنها في الحقيقة لاتحصل الا بخطأ يقع على عاتق احد المسببين، فاما يكون السائق لقلة الوعي او عدم اهليته لقيادة السيارة او نوعية الطريق وعدم الاهتمام باجراءات السلامة في الشوارع وهذا ماتعاني منه اغلب الطرق عندنا او العجلة لعدم توافر شروط المتانة والامان فيها اما لخلل في الصناعة واغلب السيارات المستوردة حاليا فيها هذا العيب واحيانا الاهمال من قبل صاحب السيارة لهذه الشروط. كل هذه الاسباب تؤدي الى نتيجة واحده وهي ازهاق الارواح وضياع مليارات الدنانير، ونتساءل ماهو موقف الحكومة من هذه الاحصائيات، وما موقف المجتمع الذي من المفترض أن يقوم بالضغط على الحكومة في سبيل الإعتراف بالمشكلة، وحلها؟ وهل اتعظ السائقون من حجم الخسائر البشرية والاقتصادية، بحيث يأخذون منها العبرة للالتزام بآداب وقواعد المرور حتى يأمن المجتمع ويعيش في سلام؟…

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان