حوارات وتحقيقات

من فاترينات متحف مؤسسة الشهداء … "جولة تأملية في محراب الصمت"

 ساجدة الشويلي
عدسة –  رحيم المصور
 
وانا اعانق هالات أرواحهم الشذية في القسم الخاص من المتحف الذي يهتم بتراث الشهداء
لمست وجع حكايات وقصص مؤلمة حدثت سابقا لشهداء عبر فاترينات مزججة تحمل أحداثا مؤلمة عديدة لا تنتهي مهما كتبت وتحدثت عنها , كانت مقتنيات الشهداء تصرخ الما وحزنا
على قساوة نظام الطاغية المقبور وانا امر على هذه الفاترينات انتابتني حالة من القشعريرة وربما بعض الخشوع  وذلك لقدسية المكان الذي انا فيه  ربما في لحظة ما فكرت في تقبيل هذه المقتنيات لانها جزء من الشهداء الذين  واجهوا الظلم بكل جبروته.
استقبلتني المنتسبة في قسم العناية بتراث الشهداء السيدة  نسرين عبيد جبر بابتسامة كانت تخفي خلفها الما وحرقة ودموعا , والسبب ان لها شقيقين شهيدين صورهما ومقتنياتهما داخل احدى الفاترينات .
  أولى الفاترينات:
 كانت للشهيد خالد عبد كاظم كاطع , لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره اعتقل في المسيب أثناء ذهابه إلى محافظة كربلاء ’ تم اعدامه ولم يعثر على رفاته لحد الان ’ أهم مقتنياته منشفة ما تزال بقع الدماء عليها لحد الان’ خلال فترة التعذيب في السجن  , كان يؤخذ يوميا للغرف الخاصة بالتعذيب وعند عودته  كان يمسح الدماء بالمنشفة التي أصبحت اليوم الشاهد الحي الناطق على عمق الجريمة والوحشية  التي مارسها الطاغية بحق الإنسان والانسانية .
   انتقلت إلى فاترينة اخرى أنها تعود للشهيد عقيل فرمان الذي اعدم خلال الانتفاضة الشعبانية  عام 1991 , أهم مقتنيات الشهيد قميص كان يرتديه  في يوم زفافه.  
  وفاترينة أخرى جذبت انتباهي أنها تعود للشهيد جواد أحمد حسين  فقد دون على شرشف وسادته تاريخ الاعدام , ويبدو لي أنه كان مغرما  فقد رسم على الشرشف قلب حب وسهم . 
   انتقلنا إلى فاترينة اخرى أكثر الما من سابقتها , يا إلهي أنها المقتنيات الشخصية للطيار العراقي آيدن مصطفى حميد  الذي دفع حياته ثمنا لموقف إنساني غاية في البطولة والايثار , الرائد الطيار ولد 1957 في كركوك درس الهندسة في المعهد التقني ومن ثم الهندسة الميكانيكية , لينال  شهادة الطيران عام 1984 , اختير قائدا للسرب المكلف بقصف حلبجة
بالغازات السامة والمواد الكيمياوية المحرمة من  قبل علي  حسن المجيد الملقب  ( علي كيمياوي ) ابن عم الطاغية   وكان السرب مؤلفا من سبع طائرات لكن  الشهيد آيدن رفض الأمر العسكري فتم نقله إلى السجن ليكون   تحت سياط الجلادين  على مدى اشهر وبعدها اعدم شنقا حتى الموت  , رحمك الله يا آيدن ورحم كل الشهداء , أتمنى أن تتذكر حكومتنا هذه الشخصية الفذة من خلال اقامة نصب تذكاري او جدارية  حتى تتذكره الاجيال  القادمة وتتذكر موقفه البطولي .
 أخذتني خطواتي هذه المرة لفاترينة يعج فيها صراخ الطفولة’ جذبني لون الفستان الصغير الاحمر المرصع بازهار الربيع التي لم يكتب لها الحياة ’هذا الفستان لطفلة صغيرة لم يتجاوز عمرها السنتين , هذه الطفلة ولدت داخل السجن  اسمها زهراء سالم ذياب , دس السم في طعامها وطعام والدتها واعدمتا بهذه الطريقة البشعة ,  وآثار الطعام ما تزال إلى الآن باقية على الفستان.
    في القسم الآخر من نفس الفاترينة صورة لشهيدين بعمر الزهور أنهما شقيقا السيدة نسرين رفيقتي في هذا التجوال أنهما شهداء الانتفاضة الشعبانية المباركة  الطفل نزار عبيد جبر ويبلغ من العمر ثماني سنوات وشقيقته انتصار عبيد جبر ويبلغ عمرها ست عشرة سنة وهما من سكنة محافظة بابل ,  قام النظام المقبور بقصف البيت بالهاونات  عيار 60 ولم يكن في البيت غيرهما بسبب الحصار الشديد  الذي فرض على المنطقة انذاك وبحث والدتهما عن الماء والغذاء .
تجولت على ارض المتحف لأنتقل الى  فاترينة اخرى:
 لمح بصري المتعب هذه المرة آلة موسيقية  رشيقة وجميلة لم أعرف اسمها لحد هذه اللحظة , لكنها تعود للشهيد عباس ولي شريف وأعتقد هو من قام بصناعة هذة الآلة الموسيقية , كان يستخدمها الشهيد لإلقاء الموشحات الدينية  وكان سبب إعدامه هو ذكره المستمر للإمام علي عليه السلام , كان الشهيد من العوائل الفقيرة جدا’ حيث أعدم هو وعائلته لينضموا الى قافلة شهداء الحرية في العراق.
    الجولة الاخرى من المتحف كانت في صالة لعرض صور الشهيدات , ترأسه رائدة الشهادة بنت الهدى رضوان الله عليها ,  لفت انتباهي صورة الشهيدة أمل عباس شوكت عبد وهي من مواليد 1960 وكانت ماتزال غير متزوجة, وكان سبب الاستشهاد الانتماء لحزب الدعوة حيث انضمت وخطيبها الى حزب الدعوة عام 1980  وقد تم اعتقالها وشقيقتها وخطيبهاواطلق سراح شقيقتها لتكون شاهدا على بشاعة ما حدث داخل السجون و تم إعدامها وإعدام خطيبها عام 1980 واعدمت ايضا فرحتها وتركت فستانها الأبيض في مهب الريح  ,
  انتقلت إلى صورة  شهيدة أخرى  وهي  الشهيدة ميسون غازي عبد الامير من مواليد 1965  وهي ايضا تم اعتقالها  يوم زفافها  ونفذ حكم الاعدام الباطل فيها  بالكرسي  الكهربائي عام 1985 .
 الانتقال إلى فاترينة أخيرة كانت “لأدوات التعذيب ” بهذه الأدوات الحقيرة الظاهرة في الصور ادناه كانت ترتكب أبشع الجرائم بحق الإنسان والانسانية. التي ارتكبها النظام الفاشي.
 وطريقة التعذيب هي كالاتي :-
تربط يدا ورجلا الشهيد بالحبال ليجلس بعدها على مدفاة نوع علاء الدين حتى  يحترق شيئا فشيئا ليستشهد حرقا .  
علما أن هذة المدفاة وباقي أدوات التعذيب التي تظهر في الصور هي نفسها التي كانت تستخدم في مديرية الأمن العامة وتم جلبها للمتحف. هناك أدوات أخرى لقطع الاصايع وادوات لقطع الاعناق واكتشفت بعد ذلك أن هذه الأدوات المستخدمة في تعذيب الشهداء أغلبها ألمانية الصنع وكانت تصنع بطلب من النظام المقبور لعنة الله عليه.
بعد انتهاء الجولةوتقديم شكري وتقديري للسيدة نسرين عبيد جبر وكافة منتسبي مؤسسة الشهداء
قررت أن تقف روحي وليس جسدي وقفة صمت وحداد لمدة دقيقة واحدة لكنها تعادل عمري كله  احتراما وإجلالا لكل هؤلاء الشهداء وتضحياتهم .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان