حوارات وتحقيقات

في العراق: معاقون أم معوقون..! من يتعداه الموت شبح الإعاقة يتربص به..

طبقة من المجتمع توسعت في العراق دون غيرها من البلدان والسبب هي الحروب والنزاعات المسلحة التي ضربت وما زالت تضرب البلاد لتنتج الكثير من المعاقين..اذ تركت الحروب التي خاضها العراق الكثير من الندوب على وجه المجتمع العراقي، منها الظاهرة ومنها المخفية .. ندوبٌ مازالت شرائح كثيرة تعاني منها، وظواهر مأساوية لم تجد لها طريقا إلى الظهور وتعريف العالم بها، بسبب طغيان ملفات عراقية أخرى عليها، بحيث لم تترك لها مجالا ليعرفها العالم.
من بين تلك الندوب، التي يعاني منها المجتمع العراقي، ظاهرة انتشار المعاقين في البلاد إلى الحد الذي وصل عددهم إلى المليون من بين نحو 27 مليون ساكن، بحسب إحصائيات إحدى الجمعيات الخاصة بهم .. معاقون يحاولون أن يكونوا جزءا فاعلا في المجتمع من خلال نشاطاتهم ومحاولة الاندماج في المجتمع.
وعلى الرغم من الانفتاح، الذي عرفه المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي، وانتشار العشرات بل المئات من المنظمات والهيئات المستقلة، إلا أن بعض تلك المنظمات صارت تتاجر بقضية المعاقين، واتخذت منها مادة للربح على حساب معاناتهم ومآسيهم.
( الحقيقة ) من خلال هذا التحقيق تفتح ملف هذه الشريحة الاجتماعية ، لتسلط الضوء على  ما تعانيه من هموم وقيود حالت دون أن تمارس حياتها بشكل طبيعي ، لتكسر حواجز الاعاقة و تقوي عزيمتها هدفا في تنوير الرأي العام بضرورة ايجاد حلول كفيلة بتوفير سبل الحياة البلسيطة للمعاقين في العراق…

 

 

 

تحقيق  – سناء الحافي

  المعاقون ام المعو ّقون؟….
  المعاق العراقي الذي انتظر طيلة هذه السنين بحاجة الى استراتيجية واضحة لرفع الظلم عنه وتحويله الى عنصر فعال يبني العراق الجديد عبر اليات كثيرة لكن هل بإمكان المجتمع المدني والاعلام  توجيه الانظار الى مشاكل المعاقين من دون وجود هيئة تدافع عن مصالحهم ضمن مؤسسات و نقل تجارب الدول التي خرجت من الحروب وكيفية تعاملها مع هذه الشرائح لعودتهم مواطنين فاعلين ومميزين لانهم وان كانوا معوقين بسبب الارهاب او الحروب الا ان هناك من يعيق اندماجهم بالمجتمع لذلك يتم تسميتهم بالمعاقين..
  المعاقون.. عنصر قوة للمجتمع و الدولة
 في هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي عامر سعود ان هذه الشريحة يمكن ان تكون عنصر قوة للمجتمع والدولة فهم يكونون أكثر تركيزا على عملهم وهذا ما لا يمكن انكاره على مر العصور في اي دولة مهما كان مستوى تطورها العلمي.
وأشار الى انه بالرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة او قاعدة بيانات دقيقة وشاملة لعدد المعاقين وأنواع الإعاقة ونسبها وان كانت التقديرات الاولية تشير الى وجود ثلاثة ملايين معاق يتزايد عددهم بشكل يومي مع كل تفجير ارهابي في اي محافظة او منطقة تتعرض لتفجير بعبوة ناسفة او سيارة مفخخة ركنها من باع نفسه للشيطان في غفلة من عناصر الاجهزة الامنية او تواطؤ من ضعاف النفوس.
 10% من العراقيين هم من ذوي الاحتياجات الخاصة…
وأضاف إذا ما أخذنا تقديرات الأمم المتحدة التي تفيد ان 10% من السكان في جميع دول العالم معاقين يشكل سكان دول العالم الثالث ما نسبته 80-90% وهم في سن العمل ويعانون من البطالة وهنا وباستنتاج حسابي تقريبي فان 10% من العراقيين في الاقل هم من ذوي الاحتياجات الخاصة اما اعداد العاطلين عن العمل والأطفال الذين لا يرتادون المدارس او تسربوا منها اكثر من هذه النسبة بكثير ومن يعيشون تحت خط الفقر المدقع برغم ان الموازنة العامة اصبحت انفجارية..
 دائرة الرعاية الاجتماعية  …. لم تتوسع اختصاصاتها بعد 2003….
ان  مهمة دائرة الرعاية الاجتماعية  هي منح  رواتب لثلاث فئات من المعاقين وهي: الشلل الرباعي، العجز الكلي، والكفيف، لكن دائرة ذوي الاحتياجات الخاصة مهمتها تقديم الرعاية الصحية والايواء والتدريب المهني للمعاقين وذي الاحتياجات الخاصة ولم تتوسع اختصاصاتها اكثر من ذلك بعد 2003. لكن هنالك دعوات لتحديد المسؤوليات بين الوزارات حول الاهتمام بموضوع المعاقين.
تضم المراكز الايوائية التابعة لدائرة الاحتياجات الخاصة المعاقين الذين ليس لديهم معيل او يحتاجون الى رعاية صحية يعجز عنها الاهل . ولكن ليس كل الاهالي يرغبون بايداع ابنائهم في هذه المراكز، ما يعني ان على العائلة احيانا ان تتحمل عبء العناية بالمعاق وتلبية متطلباته ، وفي الغالب دون مساعدة تذكر من الجهات الحكومية..
 لم ادع منظمة أو جهة الا وطرقت بابها لمساعدتي دون جدوى…
السيدة ام علي قالت عانت الامرين مع ولدها علي/ثماني سنوات، تقول: “ولدي محمد معاق بدنيا وذهنيا، ومازال لايقوى على المشي ولا الكلام ، واقوم انا بمساعدته في كل حاجاته. وهو يحتاج الى عملية مكلفة في الدماغ وفي دولة اجنبية، ولم ادع منظمة أو جهة الا وطرقت بابها لمساعدتي دون جدوى. ومنذ ولادته كان يجب ان اوفر له دواءً باهظ الثمن لكي يستمر في العيش، ورغم اني يائسة من استمراره في الحياة الا اني لا استطيع تركه يموت فهو ابني.
اما ما احصل عليه من الرعاية الاجتماعية فهو راتب 50 الف دينار اتسمله كل ثلاثة اشهر ليصبح 150 الف دينار بينما يكلفني دواء محمد في الشهر الواحد 200 الف تقريبا. انا معدمة تقريبا، لم اترك شيئا الا وبعته من اثاث، واتساءل لم لا تهتم الحكومة اكثر بالمعاقين وتوفر لهم العلاج المجاني على الاقل بدلا من هذه الرواتب الشحيحة”.
 رواتب شحيحة و إجراءات معقدة…
وفي حالة لا تقل صعوبة عن حالة علي ، تحدثت لـ ( الحقيقة)  ام فاطمة واكدت معاناتها من جراء نقل ابنتها عند استلام الراتب قائله:
أضع فاطمة في المقعد الخلفي لسيارة اجرة واتي  بها الى دائرة الرعاية الاجتماعية للمرأة للحصول على بصمتها لانه يتوجب حضورها بينما هي مشلولة تماما ومختلة عقليا.و تقول اختها علياء التي ترافقها “وقعت فاطمة من سطح الدار عندما كانت في الرابعة من عمرها، واصيبت بشلل واختلال في الدماغ، وهي بحاجة الى دواء ورعاية، وعندما قدمنا طلبا الى دائرة رعاية المرأة، اخذت الاجراءات اكثر من ثلاثة اشهر وانفقنا الكثير برغم ان الراتب الذي ستتقاضاه بلقيس لا يزيد عن 50 الف دينار، واشترطوا حضورها، فكلفتني اجرة التاكسي 25 الف دينار لانه يجب ان ينتظر ريثما ينزل الموظف لرؤيتها واخذ بصمتها برغم اني من سيكون الوكيل عنها .. إنها اجراءات معقدة والراتب شحيح ولا يكفي لرعاية فاطمة وامثالها.
  ألسنا عراقيين؟ الم نضحِ بجزء من جسدنا لهذا البلد؟…
سؤال طرحته عائلة فاطمة وام علي وغيرهم الكثير من العوائل التي ابتليت بعوق احد ابنائها والاكبر منه الشاب (سلام كامل) الذي اصيب باحد الانفجارات وفقد ساقه قائلا:
كل ما حصلت عليه بعد اصابتي باحد الانفجارات هو تعويض بعد سنة ونصف من المعاملات، وهو مليوني ونصف دينار تقريبا صرفت عائلتي نصفه على المواصلات والمعاملات واضعافها على علاجي، كما اني فقدت  قدرتي على العمل، إذ كنت اعمل نجارا، وبعت محلي فقدمي بترت من الاعلى اي من الصعب حتى احتمال قدم صناعي. لم تخصص لنا رواتب حتى الآن وسمعنا ان هنالك مشروعا بهذا الشأن.
ويتساءل سلام (السنا عراقيين؟ الم نضحي بجزء من جسدنا لهذا البلد؟ فلماذا لم نكافأ، ولماذا اظل انا الشاب عبئا على عائلتي مدى الحياة ، ولن استطيع الزواج او تكوين اسرة فمن ترضى بمثلي؟
  المعاقون…سبعون في المائة من بين ذوي الاحتياجات الخاصة…
ويقول محمد العبيدي عضو جمعية المعاقين العراقية إنه لا توجد إحصائية دقيقة بشأن عدد المعاقين العراقيين، “غير أن نسبتهم تبلغ من بين ذوي الاحتياجات الخاصة نحو سبعين في المائة، أغلبهم تعرضوا للألغام الأرضية، أو عمليات عسكرية مشابهة. ولكن لا توجد إحصائيات دقيقة بشأن عدد الذين تعرضوا للإعاقة في العامين الأخرين من احتلال العراق، وجمعية المعاقين العراقية هي الوحيدة الآن التي تتولى رعاية شؤون المعاقين، غير أنها تعاني هي الأخرى من إعاقة في جزء كبير من عملها، بسبب عدم وجود تنسيق أو دعم حكومي، يتناسب مع ما تحتاجه تلك الشريحة المهمة من السكان”.
امتهان التسول …في ظل انعدام الدعم الحكومي..
 وحيث ما تسير في شوارع العاصمة بغداد تشاهد الكثير من هؤلاء الذين فقدوا أحد أطرافهم، سواء في حرب الثمانينيات مع إيران، أو في الحرب التي أعقبتها، عام 1991، ثم في حرب احتلال البلاد في العام 2003، بعضهم امتهن التسول، بسبب عدم وجود جمعيات خاصة لرعاية مثل هذه الحالات، في حين أصر آخرون على أن يعملوا في أي عمل يكسبهم الرزق الحلال، من أجل أن يعيلوا عائلاتهم، لأنهم يرفضون المنة من أحد…
 جمعية المعاقين العراقية تقدم إعانات لعدد من هؤلاء المعاقين، غير أن هذا العدد لا يتجاوز الخمسين ألف معاق، من مجموع المليون أصيبوا بإعاقات تلازمهم طيلة الحياة، وهم الذين باتوا منتشرين في كل المدن العراقية، كما يقول موفق الخفاجي رئيس الجمعية.
 أعداد المعاقين في البلاد ترتفع يوميا…
ويضيف “نحن نقدم خدماتنا ورعايتنا لحالات العوق الجسدي والتخلف العقلي وحتى المنغولي، إضافة إلى ضحايا الحروب ومخلفاتها، حيث نقوم بتقديم المعونات الغذائية لعائلات المعاقين، وخاصة أولئك الذين لا يملكون راتبا، حيث بلغ عدد الذين شملتهم رعاية الجمعية نحو 55 ألف معاق، ولدينا فروع في كافة المحافظات العراقية، عدا محافظات كردستان، حيث توجد هناك منظمة “روشت”، التي بدنا الاتصال معها، من أجل تنسيق الجهود”.
 من يتعداه الموت فإن شبح الإعاقة يتربص به….
ويؤكد الخفاجي أن الجمعية لا تطالب السلطات أو المنظمات الإنسانية بأن تقدم لها الكماليات، بل “إننا نريد أن نوفر للمعاقين الأساسيات والضروريات، من مسكن ملائم، إلى راتب شهري يعيل المعاق وعائلته، إلى كراسي متحركة وما شابه”، كما قال.
 المعاقون في العراق مشكلة أخرى من مشكلات تراكمت عبر عقود طويلة عاشها العراق في ظل حروب وحصار، غير أن ما هو أكبر من تلك المشكلة هو أن أعداد المعاقين في البلاد ترتفع يوميا، فالأوضاع الأمنية المتردية، وانتشار حقول الألغام في العديد من المدن، إضافة إلى انتشار مخلفات الحروب، كل ذلك يشكل خطرا يوميا يهدد العراقيين، فمن يتعداه الموت فإن شبح الإعاقة يتربص به…
 حقوق المعاقين …ضمانات لم تنفذ
بقي ان نقول اخيرا ان للمعاق الحق في التمتع برعاية خاصة اجتماعية وصحية وهذا يحتم ضرورة اندماجه ومشاركته في المجتمع وهذا لا يتحقق الا من خلال سن قانون توظيف المعاقين وذوي الاحتياجات في المؤسسات الرسمية والخاصة ضمن النسبة المقدمة في القانون والبالغة 4% من عمل الموظفين اضافة الى ضمان التعليم والتدريب بما يساعدهم على التمتع بحياة كريمة على نطاق القوانين العادية المنظمة لشؤون المجتمع سواء كانت في النصوص العامة ام القوانين الخاصة بالمعاقين لكن المثير للأسى والحزن ان العراق وبالرغم من اقراره بحق المعاقين وضرورة رعايتهم الا انه لم يصدر قانون خاص بهم لان الضمانات القانونية لم تنفذ على ارض الواقع لذلك فهي لا تعد ضمانة كافية كما انها لا تحقق شمولية واستجابة المجتمع واعترافه بقضية الإعاقة ورفع مستوى الوعي المجتمعي بهم والاطلاع على احوالهم بغية مناشدة ذويهم ليعملوا على رفع معنوياتهم وابداء الاهتمام الذي يستحقونه.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان