زيدان حمود / الجزء الاول
مقدمة الرواية هي خارطة ورقية لمدينة النجف القديمة بشوارعها الضيقة ووسطها الذي يشغله الضريح مع محيطها العجيب الممتد من المقبرة الى البحر .هذه الخارطة هي شكل مفترض لبناء أفقي في مدينة مليئة بالتناقضات والحكايات التي يختلط فيها امتزاج الحياة المعاشة على الأرض مع ما تحمله دواخلها من أكداس لا متناهية لجثث الموتى وهي تعبر عن سر الدهشة في البقاء المثيولوجي لتلك الأجساد التي ستبعث من جديد في عالم الفردوس الآلهي والتي لا تدخله الا بمباركة الشفيع الذي يتوسط ضريحه المدينة بقبابه المذهبة وأيقونات الكريستال التي تبهر العيون وتجعلها وعاءً للدموع والتشفع لأرواح الموتى الذين تمتد جثثهم المتناسلة عبر القرون، والقادمة من شتى أصقاع الأرض في محيط دائري يلتف حول الضريح في متوالية عددية من الموت الأزلي الذي لانهاية له ولا بقاء أو خلود بعده منذ كلكامش الذي بحث عنه طويلا حتى عثر على عشبته التي سرقتها منه الأفعى في لحظة شرود عابرة على ساقية ماء ليتحول إلى فان من الفانين ..
ولكن كلكامش أدرك سر الحقيقة في محتواها وهي إن الخلود لا يكمن في بقاء الجسد على مر الزمن وإنما ما يتركه الفرد للأجيال القادمة من حضارة لا تنسى ، فبني أسوار أوروك التي ما تزال بقاياها شاخصة إلى الآن ولم تقم القيامة بعد . ما تذكره ( معينة ونظمه وواحدية ) بنات السيد خنصر علي وحفيدات السيد أصغر أكبر عن بزوغ الفجر مع صوت أول ( جللجلي ) و( الجللجي ) هو من ينادي أمام الجنازة ( جل الله .. لا أله إلا الله .. جل الله ) هذه السيمفونية الثابتة النغمات هي الخارق الأول لسعادة النوم التي تستمتع بها العوانس الثلاث حفيدات السيد أصغر أكبر وهو صوت الجللجي ونداء جل الله لا اله إلا الله .. وما أن يسمعن صوت الله وجل الله حتى يبادرن إلى شتم الجللجي إلى سابع جد ( وبعد أن أفزعنا بجلجلته العظيمة كسرت أختنا واحدية عظام أجداده السبعة بشتائم ثقيلة ثم تأففت وأضافت أجدادنا السبعة إلى أجداد ذلك الجللجي ) ( الرواية ص14 ) . الذين يسكنون النجف يعرفون سر اللعبة ولكنهم لا يبيحون بها .. مرة قلت لأحد الدفانة ..
– كيف يمكن لهذه الأرض الصغيرة أن تستوعب هذا الكم الهائل من الجثث وعلى مر الزمن ؟
قال لي وبالحرف الواحد .
– الجثة في الأرض لا تمكث أكثر من سنتين حتى تتحول الى كمية من العظام .
– ماذا تقصد ؟
– كل قبر أمامك هو ملاذ لأكثر من خمسين جثة .
– معقول ؟
– لا تحدثني بالمعقول وغيره .. أنا كسبن هذه المهنة عن عاشر جد عمل دقانا في هذه الأرض .
فلا غرابة أذن ان تلعن واحدية ابنة السيد خنصر علي وحفيدة السيد أصغر أكبر الجللجي والدفان وكل من يتاجر بعبث الأجساد الميتة في أرض كتب لأهلها النجاح في كونهم قريبون من الولي ويجيدون لغة التجليل والبسملة وذكر قائمة الأولياء الذين تذكر أسماءهم عند رأس الميت عندما يوضع في لحده .. ثنائية غريبة في البقاء والموت .. الميت خسران في كل الأشياء والذي يدفن جثته مستفيد في كل الأشياء ابتداءا من أول جلجلة في الغبش وحتى النداء الذي يهمسه عند رأسه من يهيل عليه آخر ذرات من التراب وهو يقول .
– يا ابن آدم اذا جاءك الملكان لا تنسى أن تقول لهما .. الله ربي ومحمد نبيي وعلي أمامي والحسن إمامي والحسين إمامي وعلي ابن الحسين إمامي ..
وحتى آخر لفظة في الأنتظاراللامحدود حيث الغائب المنتظر شفيع الكل وإمام الكل .
السيد أصغر أكبر المدفون في قاع السرداب الذي تسكن في بيته العلوي العوانس الثلاث ( معينة ونظمه وواحدية ) واللائي لم تنقش أسماءهن بخيوط الإبريز على القماشة الخضراء التي تغطي قير السيد أصغر أكبر والتي نقش على وجهها أنساب شجرة العائلة من الفحول فقط .. أما شمخة زوجة خنصر علي ووالدة العوانس الثلاث فقد حرصت أن تطرز أسماءهن في قفا القماشة الخضراء بخيوط من الوبر خوفا ان يلاحظ الرجال التلاعب بشجرة العائلة في أصافة النسواين إليها .
( كي لا يلاحظ أبونا ذلك فيعنفها ويقرص أذنها كعادته ، وتظل تموء من الألم طوال الطريق من النجف إلى بغلة عباس في مواسم الزيارات .. خمسين ألف مرة قلت لك .. ألف مرة قرصتك يا شمخة لا تلعبي بشجرتنا ، لا تصيفي لها أسماء النساوين ) ولكنها تقول له ( أنا أتبرك بقماشة السيد ورجائي أن يتزوجن قبل أن أموت ) لكن أبانا يستمر في تعنيفها ( أفهمي يا مرة الزواج قسمة ونصيب ، نحن لا نزوج بناتنا العلويات إلى عوام الناس ، بنات السيد خنيصر لا يركبهن العوام ) ( الرواية ص14 )
ولكن الم تموت والسيد خنصر علي يموت هو الأخر ولا تنفع خيوط الوبر التي طرزت بها شمخة قفا القماشة الخضراء بأسماء بناته اللائي أصبحن ينتظرن الآن المحامي حسين تموزي ليحصي لهن ما تبقى من أرث السيد أصغر أكبر كونهن الوريثات الشرعيات له.









