ثقافية

ذهب المملكة.. جدلية الثروة البشرية والطبيعية

طارق عمراوي

اقتبس الكاتب محمد الغزي قصة “ذهب المملكة”، والتي أمِنَت رسوماتها الفنية، فتوحي بتراكم تجربته السردية والقصصية عبر الاقتباس كنهج اتبعه في كتابة جزء هام من نصوصه المنشورة. ومن العنوان “ذهب المملكة” يتبادر إلى ذهن الطفل القارئ أنه سيعيش في زمن الممالك والفرسان والإمارات والأميرات، وربما السحرة وغيرهم، وكلمة الذهب توجهه إلى عالم الكنوز والمجوهرات والياقوت، إلى كنوز منثورة في كهوف العمالقة، أو أن يكون هذا الذهب مطمعا للصوص أو الممالك الأخرى التي ستحارب من أجل أن يكون الذهب من نصيبها إذا عرفوا أن بهذه المملكة ذهبا كثيرا. لكن السارد والقاص يستثمر في الثروة البشرية والرأسمال البشري أولا، عبر رهانه على الطفولة القادمة على مهل لمجتمع الغد، ونشره وحديثه عبر القصص للمساهمة في تشكيل وعي الطفولة بما يحيط بهم وما عليهم فعله والاستعداد له. ثانيا، هم رأس مال هذه المملكة وذهبها الذي لا ينضب. ذهبت أموال المملكة وذهبها، لكن الأطفال بقوا، وسيواصلون دورة الحياة من جديد بهذه المملكة، ويكونون ثروتها وذهبها.

لكن كيف حلت الثروة الثانية محل الثروة الأولى؟ وقبلها كان لزاما علينا ضبط المعجم الطبيعي والبيئي في ثلاث حلل: حلة الموجود، وحلة فعل الموجود، وحلة التدخل في الموجود، وكان تدخلين.

أما حلة الموجود فهي الأشجار والأزهار والفراشات والطيور والأغصان والسلحفاة والشمس والسناجب والأرانب واللقلق والأعشاب والينابيع والربيع والجليد والرياح والعش والأوراق الميتة والسواقي والجداول والغدير.

أما حلة فعل الموجود ومرجعه تفاعل الحديقة مع الملك والأطفال، كما قال النص: “وكانت الحديقة سعيدة بأطفالها، تضمخ شعورهم بأطيابها، وتملأ قلوبهم بثمارها”، والتمتع بجمال زهورها ورشاقة فراشاتها وسقسقة العصافير وروائح الورد وتغريد الطيور.

وعن حلة التدخل في الموجود والتفاعل معه، فكان التدخل الأول تفاعلا إيجابيا، فهؤلاء الأطفال يلاحقون الفراشات ويتسلقون الأشجار، “ويغمسون في سواقيها أقدامهم الصغيرة”، و”يحفنون الماء من جداولها”، و”يضفرون من أغصانها أراجيحهم”، ويسقون أزهارها ويعطون العشب للسلحفاة، ويمسحون ريش طائر اللقلق كل مساء، بل وأطلقوا على الأشجار أسماءهم كشجرة مريم وأسامة، فكان في تدخلهم متعة للنظر لامست أنوفهم وعيونهم وجيوبهم، كما قال لهم الحكيم: “هذه الحديقة كتاب كلماته الأشجار والطيور والفراشات، عيونكم وآذانكم وأنوفكم”، مع غنائهم وضجيجهم.

أما التدخل الثاني فكان للملك، وكان على دفعتين. أولهما أنه اكتشف مع حاجبه أنه لا يعرف مكونات الموجود، فسأل عن الكائن الجميل ثم عن الصخرة المتحركة، فالأول هو الفراش والثانية هي السلحفاة، وأثرت فيه المناظر الطبيعية المبهجة، كما قال النص: “كان الملك يتجول في الحديقة مأخوذا بجمال زهورها ورشاقة فراشاتها”. لكن أمام جبروته وانغلاقه على حاجاته كالذهب، وهذه الحديقة الجميلة التي حولها بالأسوار العالية والجدار السميك بلا أبواب ونوافذ، جاء التدخل الثاني ليقتل الموجود في هذه الحديقة وفي غيرها من الحدائق التي يزورها، بطرد الأطفال، كما قال النص: “فقرر عندئذ الذهاب إلى حدائق أخرى في المملكة زارها الربيع، فجمع الحاجب عسسه وأرسلهم يطردون أطفالها اتقاء غضب سيده، وما أن خرج منها الأطفال حتى ذبلت، فلما زارها الملك وجدها قاحلة مقفرة، فأسرع بالعودة إلى قصره”.

حتى الموجود لم يزر موجودته الصغيرة المقفرة، إذ قال النص: “وكان أن حل الربيع بكل أقاليم المملكة يملأ الفضاء فراشات والأرض زهورا، لكنه أعرض عن الحديقة فلم يزرها، فظلت قاحلة مقفرة يكسوها الجليد وتعصف فيها الرياح”، في تعاطف مع الأطفال الذين حرمهم الملك من التمتع بهذه المناظر الطبيعية وتضاريس هذه الحدائق.

وهكذا انتهت الحالة من حديقة مقفرة إلى ملك مريض، ساءت حالته ونحل جسمه واصفر وجهه، وكان الحل عودة الربيع، كما قال الطبيب محيلا إلى فكرة هامة.

فالطبيب غير ملزم دائما بإعطاء العقاقير والأدوية، بل قد يكون ناصحا موجها إلى أدوية أخرى، كالمداواة بخرير المياه، مثل ما فعل المسلمون في الأندلس، وغيره من الأدوية المنتشرة في الطبيعة وتفاصيلها. وها هو الملك يشفى بعد أن حضر الأطفال إلى الحديقة، لتعود إليها روحها المسلوبة، وتعود للملك حياته، عندما “تناهت إلى سمعه سقسقة العصافير، وانتشرت حوله روائح الورد، فتحامل على نفسه وسار إلى الحديقة، فرأى الأشجار مورقة والزهور مفتحة والطيور مغردة، وأمعن النظر فرأى الأطفال في أركان الحديقة يلهون ويلعبون”.

وللطفولة ألف جواز وجواز للوصول إلى مبتغاهم وتحقيق رغباتهم وأحلامهم، فرغم الأسوار والأبواب الموصدة دخلوا إلى الحديقة بمساعدة السناجب والأرانب والسلاحف، في درس الفعل ورد الفعل نتيجة ما كان يقدمه الأطفال للحيوانات، وها قد حان الوقت لإرجاع الدين، فكان النفق، وها هم داخل الحديقة من جديد.

حضر الحكيم الذي ارتبط بحياة الملوك والأمراء وحياة القصور، وحديثه مع الأطفال الذين لم يفهموا ويقدروا كلماته المذهبة، وفهم الملك بعضا منها عندما قال له الحكيم: “الأطفال هم ذهب المملكة يا مولاي”. كما عرج القاص على ثروات الأمم والشعوب، إذ لكل أمة ثروتها الفكرية والحضارية، فهذه الصين لها عرافوها، واشتهرت فارس برجال الحساب، وأهل الفلك في العراق، والعلماء في مصر. ولم يفت الكاتب استحضار أجواء السحر والطلاسم، فقد نصح الطبيب ملكه باستقدام أصحاب الطلاسم والسحرة، واقتنى الملك أعشابا سحرية من بحر الظلمات وتمائم باهظة الثمن من إفريقيا.

إن نص “مملكة الذهب” راهن فيه صاحبه على الطفولة، المحدثة الأثر الطيب أينما حلت، شريطة أن نمكنهم من الحياة السعيدة التي يجب أن يستمتعوا بها. وحضر حديث الملوك وعالمهم الخاص، لتبقى الطفولة الذهب الذي لا ينضب، وعلينا حمايته والمسح عليه كي نزيد من لمعانه وبريقه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان