صباح محسن كاظم
رؤيتي للثقافة والإبداع هي أن تجتمع الأخلاق مع الثقافة في منجز مشترك،فلا قيمة للإبداع عندي إلا بتتويجه بالثقافة وهي بناء الإنسان والأوطان والعلاقة بينهما،وقد ترجم ذلك أديبنا المحتفى به “مهدي الحسناوي” الشاعر والأديب والإعلامي المميز وكتابه عن الأهوار طبع الطبعة الثانية بمناسبة بغداد عاصمة الثقافة ،وأنا أقدمه أقرأ ماكتبته عن الأهوار وترجمه المترجم كريم عيسى :
جنة عدن..الفردوس المفقود..طفولة الحضارة..جنة الماء..قلب الجنوب..المدن العائمة..الثروة المهدورة؛تلك هي سمفونية جمال الطبيعة بتواجد الوجودات البشرية ،المائية، النباتية،الحيوانية في لوحة رُسمت بعناية فائقة لتسر الناظر وتثير هواجس السائح بجمالية جغرافية المكان حيث صدمة الدهشة والإنبهار بتلك العوالم المترعة بكل ما هو ساحر في الطبيعة التي كونتها الترسبات الغرينية للرافدين دجلة والفرات وشكلت تلك الدلتوات في السهل الرسوبي أرض خصبة نشأت عليها الحضارات التي تستوطن قرب الانهار. مدن الحمولات الغرينية التي يحملانها من المنبع إلى المصبحات المائية حاضنة للأرث الإنساني.بالطبع جملة من الأسباب أدت إلى نشوء الأهوار وتشكلها ، فالفيضانات التي سادت بعصور قديمة وإلى عهود قريبة غمرت تلك المسا حات بكميات كبيرة من المياه، فضلاً عن تزود تلك الاهوار من تفرعات الانهار قبل المصب وتراكمها بالانغمار منذ آلاف السنين لتكون بيئة للقصب والبردي وملاذ للطيور،ويستوطن بها السكان الذين قدموا الحضارات المتتالية من سومرية وأكدية وبابلية، حضارة الطين والقيب بالمدن العائمة أنتجت الكتابة والأختام والمشحوف …جماليات ببيوتاتها ومضايفها المكون الرئيسي في البناء هو(القصب ،والبردي)؛ وطوبوغرافية أرضهاوبساطة أهلها و الغناء الحزين والشعر الشعبي الذي يتداوله أبناء مدن الماء وسرديات المضايف وقصص الحكمة من الشيوخ هو في الميثولوجيا المكتنزة بالاساطيرالتي تتوارث عبر الأزمنة التي أنتجت ثقافة المكان.. ،مربو الجاموس وصيادوا الأسماك والطيور يتفردون بالسكنى بتلك البطائح وجزر الماء،فكل شيء يثير السحر الآسر بجغرافية الأمكنة الفاتنة والمدهشة بجمال البيئة..مدن تطفو على الماء في مناطق الجبايش والفهود والحمار والكحلاء والمشرح والهوير والحويزة وهي تتصل بدول الجوار -بعض المؤرخين يؤكد إن الماء بقايا طوفان نوح-عليه السلام- وكل الإحتمالات واردة في تفسير تلك الظاهرة المائية التي تغطي آلاف الكيلومترات المربعة لكن المرجح هو الفيضانات التي تحصل على طول التاريخ.وهي مناطق غنية بالمعادن والنفط والآثار.
مدن الماء يعيشون أهلها ببساطة متناهية بعيدة التنكلوجيا وعصر السرعة فإيقاع الحياة يسير ببطيء وعدم رغبة من سكانها بالتفاعل مع عصر السرعة والموضة والعولمة، فبعضهم يعيش عزلة جغرافية المكان ،وعدم إنخراطه بالحياة المدنية ،ولايحبذون الإنصياع للحكومات الظالمة لتجنيدهم القسري بالجيش وزجهم يالحروب العبثية التي حصد ت الأخضر واليابس ،لذلك أصبحت مدن الماء ملاذاً و ملجأ ومأوى للمعارضين للإستبداد . لذلك سعى بتجفيف الأهوار تنكيلاً بسكانها وإنتقاماً منهم والذي أدى إلى هلاك الثروة الحيوانية ، وهجرة الطيور ،وفناء الثروة السمكية. فقد قال كافن يونغ مؤلف كتاب العودة الى الأهوار: ((ان أعداد كبيرة من القرى إزيلت من الوجود و الله وحده يعرف مصير سكانها،إن قلبي يخفق خوفاً حين أفكر بذلك،فالأجتثاث المفاجيء الذيتحدثت عنه تحقق فعلاً.هل انقرض عرب الأهوار؟وهل قبرت آلاف السنين من تلك الحياة الغنية في مسلخةالقرن العشرين؟إن طريق الحياة الخالص لعرب الاهوار عرضه للعسف،وإني أواسي نفسي بفكرة أن مجنونا فقط من يمكنه أن يتنبأ بموت أقدم وأنبل الناس)) والآن بدأت الحياة تدب بنصف تلك الارض المغمورة بالمياه ليرجع بعض من هاجر ها ،وهم يحافظون على موروثاتهم وفلكلورهم وطقوسهم وكرمهم المفرط-الكرم الخرافي- فسرعان ما يتآلف معهم كل من يزور تلك التخوم المعبئة بالطيبة والسخاء ليقدموا له فيضاً من المحبة والترحاب في مضايفهم ومضاربهم وديارهم العائمة وسط الماء في تلك الحواضر الممتلئة بالسخاء المفرط رغم بساطة الحياةوشحة سبلها لكن سجايا الأجداد سار عليها الأحفاد،وقد زرنا أهوار الجبايش مع وفد وزارة الموارد المائية عام 2027 لمنطقة-المحمية- التي تعد لأغراض سياحية-الصورة مرفقة مع الموضوع للرحلة-وكانت على هامش الرحلة حوارات لآليات تطوير الاهوار بمد شبكة طرق مواصلات كقطار من اور الى الاهوار وبناء المستشفيات والمدارس ومصانع للحرف اليدوية وإنشاء قرى عصرية لسكان المنطقة ، وغمرها بالمياه وتنوع الوجودات فيها وهو مسعى للحفاظ على تلك المنطقة ،لا ريب إن الأهتمام بالسياحة يوفر للدخل القومي مردودات مالية كبيرة تضاف لثروة النفط وتسهم ببناء البنى ا لتحتية ومجاورة الاهوار لمدن الآثار يؤدي لعملية جذب للسائحين ،وهي من أجمل البقاع لجمالية الطبيعة الساحرة لمستوطنات الحلم السومري التي جاورت الأهوار كأور وأريدوولكش مدن طفولة الحضارة التي خط على أديمها أول حرف بتاريخ الكتابة ، . لقد أنجبت تلك التخوم عشرات العلماء والأدباء والكتاب كالعلامة الشاعرد- مصطفى جمال الدين في قرية المؤمنين ،ود- رشيد الخيون وعشرات آخرين في جميع ميادين الإبداع..
لقد درس المبدع “مهدي الحسناوي” بكتابه الجميل((الأهوار حضارة سومر جنائن الماضي ..سحر الحاضر)) في 11 فصلاً ، تاريخ نشوء الأهوار وتسميتها وأصل سكانها ثم الحياة في الأهوار والزراعة وتربية الجاموس وصيد الطيور وأنواعها والثروة السمكية وتنوعها وشخصيات الأهوار من علماء وأدباء وشعراء وقصاصين وروائيين وساسة وثوار؛وعملية تجفيف الأهوار زمن الدكاتورية،ثم تداخل الحضور بإستفساراتهم المتنوعة عن الكتاب ،وقد أجاب عن تلك الأسئلة بروحه العذبة ،إن إعادة الأهوار تعني إعادة جنة عدن في العراق الى الوجود.









