زيدان حمود / الجزء الثاني
( بعد أسابيع من مراجعتها المضنية في دوائر الطابو والمحاكم والتسجيل العقاري ، استطاعت واحديه أن تستل محاميا شابا من بين جوقة من المحامين ، كانوا يذرعون سلالم المبنى درجتين درجتين ، قالت بأنه مهذب وحباب وفي رأسه كيس دهن بحجم الإبهام، يمكن حسب رأيها أن تعده غدة ظلت مكانها واستقرت في رأسه .. لكنه أفضل من سيخدمنا ، لا يبدو متطلبا ولا بصاصا يطرد العين ولا يجلب الأثر حينما يتردد على دارنا . في دائرة التسجيل العقاري تعرف عليها مقدما نفسه ( حسين ظافر محمود تموزي ) وكما سيتضح انه مد لها أسمه حتى يبلغ اسم جده الذي نفي إلى الهند مع الثوار في الأحداث التي أعقبت حصار النجف واجتياح البريطانيين لها عام 1918 – انتم أذن من ؟
– بغلة عباس – بغلة عباد ؟
– بغلة عباس بالسين ألم تسمع بها ؟
– لقد عاشت عائلتي هنا منذ قرون .. لم أسمع ببغلة عباس أبدا – إنها قرية صغيرة على كتف البحر – على كتف البحر ) ( الرواية ص22 ) إذن بغلة عباس قرية صغيرة على كتف البحر لا وجود فعلي لها على مر القرون وهي قرية افتراضية أنشأها مرتضى كزار على غرار المدن المفترضة في الروايات العالمية ( يوكنا باتوبا ) مدينة فوكنر في روايته الصخب والعنف والتي تقع بالقرب من بوسطن الحقيقية ومدينة ( موكاندو ) التي أنشأها ماركيز في روايته مائة عام من العزلة .. ومرتضى أراد سببا وجيها لتأسيس هذه المدينة المفترضة .. عندما رست سفينة الكابتن عباس المحملة بالجثث المراد دفنها في النجف والقادمة من الهند والأهواز. وسفينة الكابتن عباس التي يأتي وصفها في ص27 من الرواية كما يلي ( في أخر شهر من سنة 1871 الميلادية رست سفينة الكابتن عباس على شاطئ بحر النجف ….. هذه السفينة التي لا يعدو طولها ثمانين قدما وعرضها ثلاثين قدما والتي يسمى نوعها بغلة في قواميس البحر ومسافن الخليج ) ومن ذلك التوقيت جاءت تسمية المنطقة التي رست عندها السفينة باسم بغلة عباس وهي قرية أو مدينة مفترضة كما اشرنا سابقا . السفينة أو البغلة كانت تقل إضافة إلى جثث الهنود المراد دفنهم في النجف ، نسابة الخيول الشهير السيد أصغر اكبر الذي كان يلف جسده بأنواع أدوات الخيول من ألجمة وكراكيش وسروج وحدوات يعلقها على رقبته ويربطها حول بطنه .. الأرض التي سيتجه نحوها السيد أصغر أكبر هي أرض النجف التي يعرف عنها الكثير وهو يوضح معالمها وتضاريس أرضها إلى الكابتن عباس الذي يبدو انه يقدم إليها لأول مرة .. النجف التي أصبحت المستقر والمكان الآمن للسيد أصغر أكبر الذي يؤسس للأجيال القادمة في أشجار أنسابه المستوحاة نظرية خاصة به يؤسس على ضوئها تلك الأشجار للذي يطلبها منه هذه النظرية التي تدونها فيما بعد العوانس الثلاث في بيت الشرايك وهو البيت الذي أورثه السيد أصغر أكبر إلى حفيداته ليصبح محورا لأحداث الرواية في نسيجها السردي المتميز الذي يخلط الواقعي مع ألغرائبي في ذكر أشياء معقولة وعير معقولة كما في المشهد السردي في ص177 من الرواية ( السؤال الأبعد كان هذا : كيف استطاعت شمخة أن تخفي عشفها لمخرج مسرحيات ورئيس جماعة مخبولين وتحبسه بين قلبها ومطبخها ؟ .السؤال الذي يخطر في بال واحديه الآن كيف صعد انكيدو النخلة ؟ وبعد أن كبرنا عرفنا لماذا لم يكن مطبخها معقدا مثل مطبخ الجدة رومية ، أما لماذا كانت يد ياس السرابي مشعرة ، فهذا كنا نعرفه منذ البداية ، فالكثير من الناس أياديهم مشعرة ، والفرق إن نهاب أمنا كانت يده الأخرى جرداء ، لأنها صليت في أحدى محاولات إزالة الشعر بعد أن فشل في العثور على ممثل مناسب يؤدي دور سمخا , فقرر وقتها أن يحتفظ بالدور لنفسه .. هل يكفي هذا يا واحدية ) هكذا مشاهد سردية وغيرها تمتد على طول النسيج الروائي جعل من هذه الرواية التي تأثر كاتبها كثيرا بالأعمال الغرائبية والسحرية لكتاب أمريكا اللاتينية ابتداءا من خوان رولفو وماركيز وبورخس وحتى أخر رؤيا يكتبها مرتضى كزار في ختام روايته ( السيد أصغر أكبر) حيث يذكر في تلك الرسالة المفترضة التي أرسلها الجندي وهو يقاتل في مقبرة النجف ضد المقاومين العراقيين في حربهم الأخيرة مع قوات الاحتلال الأمريكي أبان غزوه للعراق عام 2003 والتي بدايتها في الصفحة 183 من الرواية والتي تبدأ بعنوان ( القاعدة الأندلسية ) والتي بدايتها ( من ادغار باشيرو إلى تيبانتوس أراغونيس .. أكتب إليك من القاعدة الأندلسية في النجف ) وفي هذا الفصل الختامي يرتقي مرتضى كزار إلى قمة الغرائبية والسحر والدهشة حيث يلخص لنا من خلال هذه الرسالة موجز كامل للرواية على لسان مقاتل اسباني يقاتل في مقبرة النجف تلقى معلوماته من مترجم عراقي شاب أهدى له كتاب ألفه مدير بلدية النجف أو بالأحرى مسؤول حكومي كبير ليوجز لنا من خلال هذا الكتاب وهو في أوج محنة يواجهها في معركة قاسية حيث نعرف من خلال رسالته إلى صديقه في اسبانيا من هو السيد أصغر أكبر وكيف وصل إلى النجف مع بحار مخمور وكيف عمل نسابا للأشخاص بدلا عن الخيول وهو يرسم أشجار عوائل الآخرين ومنه عرفنا أيضا قصة شمخة مع مخرج مسرحيات الشوارع ومصير الشقيقات الثلاث مع الاعتذار لتشيخوف اللائي متن جميعا ودفنت أجسادهن في أحد سراديب المقبرة ليستمني جندي اسباني على شاهدتهن التي نقشت عليها أسماؤهن جميعا بعد أن عملن فترة طويلة في رسم شجرة عائلة الرئيس .. هذه الأحداث وغيرها وتداخل أزمنة الرواية عبر القرون ولملمتها للأحداث الجارية عبر نصف قرن من تاريخ العراق الحديث إضافة إلى الماضي البعيد جعل الروائي مرتضى كزار يتقن فن اللعبة ويغور في أعماق غرائبية سحرية جميلة لاتخلو من الدهشة والانبهار . وهي رواية ترتقي إلى مطاف الأدب العالمي دون شك .









