حوارات وتحقيقات

من خياطة الموديلات الى "التقريم" مهنة الخياطة وخطر الانقراض

أسعد عبدالله عبدعلي

 

ما زال محل (أبو فريد) للخياطة يقاوم الزمن منذ عقد السبعينيات، رغم تقلبات الأمزجة والموديلات وطرق الخياطة الحديثة, وكذلك ألوان الأقمشة ونوع ماكينات الخياطة المتطورة وحركة الخيوط وهي تسرع للامتزاج مع القماش لتنتج حلة رائعة تلون الواقع بصور الجديد والجميل.

مهنة الخياطة هي من أقدم المهن في المجتمعات الإنسانية, لارتباط   الملابس بالناس على مر العصور والأزمان، وكانت وماتزال تحقق مردودا جيدا ، وارتبطت بالمجتمع للحاجة المستمرة لها .

هكذا بقيت لغاية عام 2003 , اذ أن التغيير لم يكن فقط في الجانب السياسي ، بل تعداه ليشمل الكثير من مجالات حياتنا , ومنها بعض المهن التي تشهد تهديدا لبقائها بسبب عدم قدرتها على مقاومة المنافسة وسهولة تحولها الى شيء ثانوي . 

اغلب الخياطين اليوم يعانون من ضغوطات جديدة دخلت على حياتهم العملية ولم تكن موجودة في السابق , لكن ظروف  الانفتاح الجديدة اوجدت حالة لم تكن بالحسبان طيلة عقود الحروب والحصار في القرن الماضي . 

هنا حاولنا ان نتعرف  عن قرب لما يجري لهذه المهنة . 

 

الماكنة والخيوط والقماش كل حياتي..

يقول ابو جعفر العبودي، ( وهو رجل مسن ناهز السبعين )، من سكنة حي طارق: انظر الى محلي، فهو من أقدم محلات حي طارق، عمره اكثر من خمسة وعشرين عاما، وانا خياط في حي طارق , وهذه الماكينة والخيوط والقماش هي كل حياتي , البعض يستشعر المتعة بالقراءة او في ممارسة الكرة اما انا فكل متعتي بالخياطة .

وأضاف: كانت الخياطة ايام زمان مهنة مهمة ولها مورد جيد لكل من يشتغل بها . ولصاحبها وجاهة في المجتمع خصوصا في ايام الحصار. اليوم، ومع ما حصل من ترد في المهنة حصل أيضا أنني تقدمت في السن وضعف بصري وأصبحت غير قادر على لضم  الإبرة إلا بمساعدة أحد أو نظاراتي التي تعينني نوعا ما . أبو جعفر أضاف: المشكلة اليوم هي في الاستيراد من دون قوانين تحمي المهن المحلية مما جعل الملابس الجاهزة اقل ثمنا من الملابس التي يتم تجهيزها من قبل الخياط. مما تسبب بخسارة أصحاب محلات الخياطة وانحسار زبائنها، ومع هذا  فالمهم عندي حتى هذه اللحظة  اني مستمر بالعمل!.

مهنة على وشك الانقراض

المواطنة علياء . ك ( من سكنة حي العبيدي) تقول: الخياطة مهنة ستنقرض في المستقبل فهي في انحسار دائم ، وفي عقد التسعينات كانت المهنة مزدهرة، لان أغلب النساء يلجأن الى الخياطة لتنفيذ افكارهن حول الموديلات نتيجة غلاء الملابس الجاهزة وعسر حال اغلب بيوت العراقيين, لكن بعد 2003 انفتح السوق امام المستورد فحصل اقبال من النساء على الملابس المستوردة مع ارتفاع ملحوظ في رواتب الموظفين , مما جعل مهنتنا تواجه الإفلاس. وأضافت: بالإضافة إلى كبر سني، فأنا لم اعد قادرة على الجلوس ساعات طويلة امام الماكنة. ولذلك أجد نفسي الآن شبه عاطلة عن العمل والفرصة الوحيدة لي تقريبا هي أن طلبات الخياطة تقدم لي في المناسبات فقط، وأغلبها لغرض “التقريم” ليس غير!.

 

الحال اليوم لا تسر

اما المواطن سعد ضياء فيقول : مهنة الخياطة هي من المهن الجيدة على مدار العقود في مجتمعنا وهي واحدة من أقدم المهن والتي لا يمكن التخلي عنها . وبقيت محافظة على وجودها مع كل الازمان . 

وأضاف: اهم ادوات الخياط هي المقص والمسطرة والابر المتنوعة والخيوط بانواعها والوانها , والماكنة , والاقمشة بانواعها. 

وأضاف سعد:  في الماضي كانت معاناتنا فقط من مضايقات الفرقة الحزبية واعضاء حزب البعث المحضور الذين كانوا يساوموننا على رزقنا، او يكلفوننا بأعمال الخياطة من دون مقابل .. لكن على العموم كانت اعمالنا مزدهرة في أعوام الحرب وفي أعوام الحصار الاقتصادي أيضا , لكن اليوم الحال لا تسر فمحلات الخياطة اصبحت فقط لتقريم الملابس . فكل طلبات زبائننا تقتصر على تقصير الملابس او تضييق العرض او لاصلاح سحاب او لاصلاح ثقب او فتق في قطعة الملابس . 

سعد تمنى ان توضع خطط حكومية لحماية المهن من الاستيراد غير المنظم. 

 

الكثير هجروا المهنة

يقول المواطن فلاح جخيور ( من سكنة مدينة الصدر ): الخياطة من المهن القديمة ونحن ورثناها عن اجدادنا فلسنا طارئين على المهنة , وكانت فيما مضى تمثل مركزا اجتماعيا ممتازا , لكن اليوم تشهد انحسار كبيرا, والكثير من الخياطين تركوا المهنة كي يحفظوا كرامتهم بممارسة مهنة اخرى . فالحياة متطلباتها كثيرة وصعبة، وهذه المهنة لا تسد التزامات البيوت , حتى انني افكر حاليا بتحويل المحل لمطعم لبيع الوجبات السريعة , لكي انقذ نفسي وعائلتي من شبه الفقر، لذا اتمنى من الدولة ان توفر المواد الاولية للخياطين مع تسهيلات تتمثل بدفع القروض . 

 

المهنة اليوم غير نافعة

المواطن فائق البياتي من سكنة حي النصر يقول: المهنة اصبحت غير نافعة ولا تفتح بيتاً, والتزامات العائلة في تزايد , لذا قررت هجر المهنة الى الابد . فمصاريف العمل اكبر من هم العمل . من ايجار المحل الى نفقات المولدة الاهلية بالاضافة لاجرة العامل , وبعد كل هذا ندرة العمل وتحوله الى مجرد اعمال تقريم ليس الا , والسبب تحول الناس نحو شراء الملابس الجاهزة . فاي مكسب من هكذا عمل؟. لقد تركته الى غير رجعة .

 

من الخياطة الى  الفلافل! 

يقول المواطن ازهر السوداني ( من سكنة حي الكفاءات ): ما تراه الآن هو محل لبيع الفلافل لكن قبل شهر كان محلاً للخياطة، الحقيقة انا خياط منذ خمس عشرة سنة , لكن الخياطة اليوم لا تساعدني في توفير حاجات بيتي , فموردها قليل، والسبب تحول الناس لشراء المستورد , والحقيقة لم اجد حلا الا في تغيير مهنتي، فحولت محل الخياطة الى محل لبيع الفلافل , كي اتمكن من توفير ايراد مالي يساعدني , فلي عائلة كبيرة , ولا وقت لدي للصبر على مهنة الخياطة . تركتها الان مؤقتا , انتظر ان تعود كما كانت في السابق . 

 

لا أحب الملابس الجاهزة

اما المواطنة عفاف . س فتقول : انا الجأ لخياطة كل ملابسي لانني لا احب الملابس الجاهزة، هكذا كنت ولازلت , اشتري القماش بنفسي , واذهب به للخيّاطة وهي تعرض علي الموديلات الحديثة , فما اريده لا اجده في السوق خصوصا اني اتابع الموظة عبر الانترنت، فآتي للخيّاطة ببعض الصور , ونتحاور ونتفق على تفصيل ما اريد ان تخيطه لي . 

 

الاذواق تغيرت عند الناس

 

مرتضى محمد ( من سكنة مدينة الصدر ) قال : الاذواق تغيرت , كان الناس في السابق يحبذون لبس الملابس التي تتم خياطتها عند الخياط على الملابس الجاهزة،  فالبذلات “الشيك” كانت تطلب من محلات الخياطة وكذلك القمصان والبنطلونات كلها يقوم الخياطون بخياطتها, وكل فترة يطرح موديل جديد، ويصبح الطلب عليه كبيراً من قبل الناس, وهكذا تكاثرت في عقد الثمانينات والتسعينات محلات الخياطة بسبب الطلب المتزايد على الملابس , لكن اليوم اتجه الناس لشراء المستورد الجاهز لرخص ثمنه، ولانه يمثل احدث الموديلات.   

 

مهنة الخياطة سلاح بيد المرأة

المواطنة ام فاطمة ( موظفة حكومية ) قالت: الخياطة مهنة جميلة وتقاوم ضغوطات العصر وتمثل للمراة سلاحاً مهماً في مواجهة الحياة, خصوصا الارامل والمطلقات , حيث تلجأ المراة لفتح ورشة داخل بيتها وتعلن عن نفسها أنها خيّاطة كفوءة وتأتيها الناس لبيتها لخياطة الملابس.

وأضافت: طبعا أكثر أعمال الخياطة اليوم تتمحور في ادخال تعديلات على ملابس مستوردة جاهزة فقط, واعرف اكثر من خيّاطة في المناطق الشعبية تشكو من قلة موردها بالمقارنة مع الماضي .

أم فاطمة أكدت: أرى أن المهنة في طريقها للانحسار نتيجة تغير المزاج والانفتاح الكبير للاستيراد . وتتحول مهنة الخياطة اليوم الى مجرد مهنة تعديلات على الملابس الجاهزة فقط.  

 

يحتاج الخياط للافكار والابتكار

الاستاذ موسى الفضلي ( باحث اقتصادي ) قال: بعض المهن تتعرض لضغوطات كبيرة نتيجة غياب السياسات الاقتصادية الواضحة , بل تنتهي ولا يعود لها وجود لصعوبة بقائها في ظل المنافسة مع المستورد , لذا شهدت العشر سنوات الاخيرة اغلاق عشرات المعامل وتحولها الى مجرد مخازن، وقام أصحابها بتسريح العمال بسبب الاستيراد غير الممنهج .

وأضاف: لقد حصل لمهنة الخياطة ما حصل للكثير من المهن , فبعد غرق السوق بالمستورد اصبح المواطن يجد في الملابس الجاهزة الجميلة والرخيصة غايته , وتحول الخياط الى “مقرّم” ملابس فقط . بل تحولت الخياطة اليوم الى خياطة موسمية، فمثلا، ومع قرب شهري محرم وصفر  يكون هناك عمل لهم في التقريم وادخال تعديلات على ملابس الحداد الخاصة بمناسبة شهر محرم , ومع قرب الموسم الدراسي ايضا تنتعش الخياطة ولكن في إطار التعديل والتقريم , وهكذا فقدت مهنة الخياطة شكلها الاجتماعي الجميل الذي كان يحيطها في العقود الماضية لاختلاف قيمها العقد الحالي . وهنا اجد على الخياط ان يلجأ للافكار والابتكار والتكيف مع الحاضر وان لا يركن الى قالب الماضي ان اراد الاستمرار, بالاضافة الى اهمية القروض التي لو فتحت من قبل الدولة لأمكن اسعاف الكثير من المهن من الزوال . 

انقلاب الميزان التجاري

اما مهدي العبيدي ( بكلوريوس اقتصاد ) فقال :  في بلدان العالم اجمع يكون الاقتصاد المحلي هو المحور الأهم في الدولة، ويكون الميزان التجاري لصالح البلد عند مقارنة الواردات بالصادرات , فتوضع تشريعات خاصة الهدف منها حماية المنتج المحلي والمهن المحلية، والحفاظ على العملة الصعبة , فالمنتجات الممكن انتاجها داخل البلد توضع شروط على استيراد مثيلها من الخارج كي يمكن للمحلي ان يصمد في سوق التنافس , وكذلك هناك دعم للمنتج المحلي عبر تسهيلات معينة كاستيراد المواد الخام وتوفير قروض للتطوير , مع توفير المعرفة الضرورية للنجاح , وهذه الادوار هي  ادوار حكومية بامتياز , لكن الذي يجري الان بخلاف المنطق ! فالابواب فتحت على مصراعيها لاستيراد كل شيء من دون تعرفة كمركية مما جعل  المستورد يجتاح السوق وينهي مهن قاومت لعقود , بالاضافة لجشع التجار الذين يأتون بالبضائع التقليدية الاسيوية التي تتميز برخص ثمنها ومشابهتها من حيث الشكل لأرقى الماركات، ودخول هذه البضائع دليل تقصير حكومي كبير . فبلدان العالم تحارب التقليد باعتباره نوعاً من الغش لكن نحن مع الاسف  نشجع عليه لذا نجد تجارنا يتسابقون بالاتيان بالبضائع غير الجيدة والمغشوشة. اننا نشهد انقلاب  الميزان التجاري عندنا!.   

 

خلاصة ولكن!

ان اهمية النهج الاقتصادي الواضح لاي بلد ضروري للغاية كي تستقر الحياة وتزدهر , وبغياب وجود رؤية اقتصادية تصبح الحياة فوضى وعواصف لا تطاق ويكون ضحيتها المجتمع والفرد معا, فما نحتاجه اليوم الرؤية الاقتصادية الواضحة للبلد مع آليات تفعيل تلك الرؤيا.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان