حوارات وتحقيقات

يكاد لا يخلو شارع منها ظاهرة التسول.. خطر يهدد المجتمع!

اسعد عبدالله عبد علي

 

في العراق مجاميع من المتسولين تتوجه كل صباح إلى أماكن عملها التي باتت مقاراً ثابتة لهم منذ أعوام. فمنهم من “احتل” أبواب الجوامع والحسينيات والكنائس والدوائر الحكومية. ومنهم من يستجدي أصحاب السيارات الفارهة وسائقي سيارات الأجرة والركاب. ومنهم من وجد ضالته في الأسواق والشوارع والأرصفة. فرق الشحاذين في بغداد باتت كثيرة وتعمل بإمرة “شقاوات” يوفرون لهم السكن والحماية مقابل الاستحواذ على أغلب أموالهم، التسول ظاهرة اجتماعية سيئة يصنعها الفقر وانقطاع صلة الرحم وعدم توفر الرعاية الاجتماعية من قبل الدولة لانتشالهم من هذا العناء والبؤس، خصوصا وأن أغلبهم من كبار السن والعجزة. الشحاذون في العراق كثر. وصور التسول تعددت. منهم من يرتل آيات من المصحف الكريم، ومنهم من يردد أشعارا دينية بصوت عال. وثمة من يزعم أنه بحاجة لشراء أدوية باهظة الثمن لإنقاذ زوجته من الموت. وهناك من يدعي أنه غريب وقد تقطعت به السبل ولا يملك أجرة العودة الى محافظته. أما حين تشتد المواجهات وأعمال العنف في مدينة ما ويضطر سكنتها إلى مغادرتها فسرعان ما يزعم الكثير من المتسولين أنهم من سكنة تلك المدينة وأنهم باتوا بلا مأوى ويعيشون في العراء. في تقاطع “المعسكر” الذي يشهد زحاما خانقا طيلة ساعات النهار، يطوف العديد من المسنين والعجائز والصبية حول العربات المتوقفة ويشرع بعضهم بمسح زجاج النوافذ بيد ويبسط يده الأخرى للاستجداء فيبادر القليل من السائقين بمنحه ورقة نقدية لا تستحق الذكر، وقرب إحدى سيطرات التفتيش أشار سائق الى فتاة شحاذة تستجدي ركاب العربات وقال أنها “ذكر” وليس أنثى ولكنه يرتدي ثوبا نسائيا وحجابا ليحصل على المزيد من عطف الناس وشفقتهم!. في الكثير من أزقة بغداد وشوارعها يتوزع الكثير من الباعة المتجولين لبيع المناديل الورقية الرخيصة وقطع الإسفنج والمهاف والقبعات والحلويات والسكائر. وغالبا ما يلجأ أغلبهم إلى التوسل والإلحاح لدفع الركاب والمارة الى شراء حاجاتهم من باب الإشفاق ليس غير. فبات “المجبر” على الشراء مضطرا لشراء أية حاجة ليصرف الباعة عنه ويتخلص من منغصاتهم. وليس غريبا أن نجد بين الباعة هؤلاء شيخا طاعنا في السن نحيفا ومحني الظهر يعرض علبة علكة رخيصة ويتوسل المارة لشرائها. أو نجد امرأة عجوزاً بصيرة يقودها صبي أشعث الشعر ويرتدي ملابس رثة، وهي تبيع المشروبات الغازية “وتطالب” الركاب بمساعدتها لإعالة أيتامها.

من يحفظ كرامتي؟

 

في تقاطع ساحة المظفر يقف رجل مسن بملابس بالية، يستعطف الناس بعبارات غدت شائعة، منتظرا ما تجود به الأيادي. يقول العجوز المتسول: لم ألمس من الدنيا أيام سعيدة، قضيت حياتي بالحزن والهم، تعبت، بيتي مشيد من الطين وقطع الصفيح، ولي ثلاثة أطفال. وبعد السقوط لم نحصل على شيء، فاضطررت الى التسول، رغم كبر سني. وأضاف: الناس تغيرت كثيرا، فبالكاد أحصل على مبلغ أسد به رمق عائلتي, ومساعدات الحكومة لا تكفي، فراتب الرعاية مائة ألف دينار، ماذا أصنع به اليوم وسط الغلاء الفاحش. العجوز قال: أحلم أن أحصل على راتب يسد رمق عائلتي ويحفظ كرامتي بدلا عن الجلوس في الشوارع. 

 

أبي هو السبب!

 

عمار، شاب يبلغ من العمر 16 سنة، قال  : ابي هو السبب, فهو عاطل عن العمل، ودفع بي الى الشارع, وأجبرني على ترك المدرسة، مذ كنت في الصف الثاني الابتدائي, فضاع مستقبلي, وأصبحت لا أمتهن غير مهنة التسول. وأضاف: الشوارع لا تمنحني أخلاقا ولا قيما, بل هناك عصابات تتحكم بوجودنا وتطاردنا ولابد من الاستجابة لأوامرهم. الشاب المتسول أضاف: أنا اليوم أكره نفسي, وأحسد الشباب من كل الأعمار عندما أراهم يرافقون أهلهم، يتنزهون ويتسوقون، أنا اليوم لا أحلم بشيء. 

 

أولادي هجروني

 

امرأة متسولة أخرى تدعى أم فاضل قالت: أولادي هجروني، والأقارب منعوني حتى من زيارتهم، وأنا امرأة مسنة، فكيف أعيش؟, بعض الجيران تكفلوا بتوفير بعض الوجبات لي مع الاهتمام بتنظيف منزلي كل فترة, ولكن ليس دائما أجد من يساعدني، والحياة صعبة، لذا اضطررت للتسول لأوفر ما احتاجه. أم فاضل أضافت بحزن: كم أتألم حين أمد يدي طلبا للمعونة, كنت أعيش حياة كريمة, تنكر الكل لي، حتى أقاربي, أتمنى بصدق لو أموت وانهي هذه الحياة البائسة، هذا هو الحلم الذي أتمنى أن يتحقق. 

 

عصابات

 

يقول ابراهيم التميمي، طالب جامعي: التسول حالة غير صحية تمثل نقطة سوداء في صفحات اليوم البغدادي, ويجب أن تعالج من قبل المسؤولين. ففضاء التسول يتم فيه انتهاك عالم الطفولة واستغلالهم أبشع استغلال, وكثيرا ما نشاهد امرأة تتسول وبيدها طفل نائم!، هل تعلمون إنهم يقومون بتخدير الأطفال الرضع ليبقوا ساكنين من دون حركة لجلب استعطاف الناس؟ وهل تعلمون إنهم يقومون ببتر اطراف الاطفال ليزيدوا من استعطاف الناس!؟ بالإضافة لاستخدامهم في الدعارة أيضا. وأضاف:  هناك عصابات مجرمة تستقطب الطفل والمرأة والمسن لغرض زجهم في الشوارع للتسول، لذا يجب مكافحة هذه العصابات وانتشال الشحاذين منهم ورعايتهم.

 

توفير الحماية

 

رشيد الجابري، مواطن، قال: النظر للمتسولين وهم يفترشون الأرض يثير الحزن, كيف يعيش هؤلاء؟، خصوصا وبينهم أطفال وبنات مراهقات, هل يراجعون الطبيب حين يمرضون؟ وكيف تعيش البنات المتسولات؟ هل تتوفر لهن حماية من المتسولين الذكور؟.

أضاف الجابري: الشارع لا أمان فيه، فكيف بالنساء والأطفال وهم يبيتون في الشارع؟, أعتقد، على الدولة أن تقوم بجمع الأطفال والنساء والمراهقين في أماكن إيواء مع توفير فرصة لإكمال دراستهم لكي نحميهم من خطر الضياع في الشوارع. 

 

أبشع استغلال

 

 

أزهار البياتي، ناشطة في مجال حقوق المرأة قالت: المرأة مضطهدة في عالم التسول, حيث يتم استغلالها بشكل بشع, لقد التقينا ببعض النسوة المتسولات وروين لنا قصصاً مرعبة عن عالم غريب تحكمه الرغبات والشذوذ, ولا مكان فيه للقيم والأخلاق, وهناك عصابات تتحكم بهذه المجاميع من الشحاذين, وتستغل النساء منها في التسول والدعارة وفي توزيع المخدرات والسرقة، وكذلك في تحديد الأهداف التي يمكن سرقتها عبر التسول من البيوت. وأضافت البياتي: يجب أن تكون لنا همة اكبر لنصرة المراة المتسولة والتي دفعتها الظروف للتسول, وأهم خطوة هي إيوائهن وتوفير المأكل والملبس، وعلاج نفسي كونهن مررن بظروف عصيبة. 

 

إنتهاكات عديدة

 

تقول سعاد البغدادي، ناشطة في مجال حقوق الطفل: عالم الطفولة منتهك في الغالب, وأكثر صنوف الانتهاك التي يتعرض لها الطفل هو طفل الشوارع او ما نسميه بعالم التسول, فالطفل تحبط شخصيته يوميا بسبب بقائه في الشارع من دون مدافع عنه وسط غابة من الذئاب. وكبار السن من المتسولين يجبرون الصغار على تعلم السرقة ويعلمونهم كيفية استخدام المخدرات لكي يسيطروا عليهم, كما يتعرض أطفال الشوارع  لانتهاكات جنسية من دون أي صوت يرتفع لانقاذهم من الجحيم الذي هم فيه. 

 المتسولون ذراع مهم للإرهاب

 

يرى المحامي ناجي الكعبي: ان الدولة منشغلة حسب ادعاءاتها بمحاربة الارهاب مع فشلها الكبير في هذا الأمر لحد الآن, ولكنها لم تنتبه إلى أن المتسولين هم ذراع مهم للعصابات الإرهابية, فالكثير من المتسولين الأطفال والنساء والرجال تربوا في الشارع فاقدين للقيم الأخلاقية وغياب الحس الوطني, بل يشعرون بحيف ويبدون نقمهم على المجتمع والوطن والدولة، لذا يسهل استغلالهم. وهنا أؤكد على أهمية جمعهم من الشارع لما يمثلوه من خطر على المجتمع, وعلى الجهات الحكومية ذات العلاقة الاسراع فورا في عملية توفير أماكن إيواء لهم والعمل على كسبهم وتغيير حالهم وحل مشاكلهم النفسية والصحية . لنصلح ما يمكن اصلاحه قبل فوات الاوان.

متسول إرهابي

 

منير العبيدي يقول: اتذكر جيدا خبر قيام طفل متسول بقتل عميد كلية في الفلوجة بكاتم صوت! مقابل مائتي دولار فقط, وهذا يؤكد أن الكثير من المتسولين يمثلون رافداً مهماً للإرهاب، ورخيص الثمن وذا كفاءة, وعلى الجهات الحكومية تجفيف هذا الرافد عبر آليات واضحة أهمها القيام بحملات لجمع المتسولين وإرسالهم إلى دور حكومية توفر لهم كل شيء وتؤهلهم نفسيا ومعرفيا وصحيا ليمكن إدماجهم في المجتمع مستقبلا. وبهذه الطريقة يمكن لنا الخلاص من خطر الارهاب , وإصلاح فئة معينة. 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان