السعادة الحقيقية هي أن نذهب الى الصيد…لا أن نقتل الطائر :
كيف يمكن لنا ان نقرأ (خريف المثقف في العراق) ونشم رائحة البارود وهي تتصاعد من بين السطور الخريفية التي سخنت وعينا بحرب باردة اعتمدت الوثائق الحية ،والميتة ،والمذكرات بشكل أساس ؟ هل نقرأه بوصفة سردية أخرى تحايث السرديات وتحاول تفكيكها ، ام نقرأه بوصفه تطفلاً على تلك السرديات وتعكزاً عليها؟ هذا ما يقوله “الأخرس”ويدلنا عليه في مقدمته الخريفية الضاجة بالتاريخ والأحزان والوثائق والمدونات والمراثي والأوهام الكبرى التي تشخص أوهام المثقف العراقي ….الكائن الزئبقي الذي لا ينضبط لأي تصنيف ويصار دائماً الى إشكالية في التسمية والمفهوم والمصطلح في محاولة تحتمل الكثير من الجدل والأسئلة القلقة التي تبحث عن إجابة حقيقية لن تكون ممكنة ابداً طالما نحن بمواجهة تاريخ ثقافي مثل التاريخ الذي أنتج مثقفنا العراقي …المثقف الذي يزعم انه اضطهد من قبل الآخر ، وان مفهومه عن “الهوية” هو الأقرب الى حقيقتها ، وانه الأكثر تمثيلاً لروح المثقف من سواه ، وبالتالي هو يعرف ” من أين تؤكل الكتف” وكل هذا يحتاج الى وقفة طويلة ، بخصائص المثقف العراقي الذي أنتج لنا تاريخاً متصدعاً وفق تساؤلات (الأخرس) تجعل من خريفنا المثقف أنموذجا لهذه التساؤلات التي تطرح بمكننه عالية الدقة ، وبجرأة لا تتهيأ لكل مثقف عراقي حالها حال الذي ينبش في الماضي ويحفر في التأريخ .
إذن قبل ان نضع جسد الثقافة العراقية على دكة التشريح ، ونتصفح الأوراق الخريفية التي أمتعتنا جدلاً وإثارة نرى ان نتساءل : أية ثقافة نريد ؟ الثقافة التي تنشد المتعة والجمال وتدفعنا للتمرد والثورة ضد كل ما يحط من قيمة الإنسان ويقيد حريته ورفاهيته ، أم ثقافة الوشاية؟ ومن هو المثقف الحقيقي؟ وأين نجده ؟ هل هو من يهبط بالثقافة من النخبوية إلى العامية ؟ أم هو من يعيش هموم المجتمع ويحملها معه في رحلة بحثه عن الحقيقة ام هو الذي يسعى لمعرفة الحقيقة كاملة كما يقول نيتشه ( خير لك ألا تعرف شيئاً ، من ان تعرف نصف الحقيقة ) أم هو كلمة هلامية فضفاضة يختبئ خلفها حتى المجرم ، أم هو الشخص الذي يهتم بأمور لا تعنيه إطلاقا حاله حال مثقف (سارتر) او حاله حال مثقف (فوكو) الذي يدعوه بعدم إصدار الأحكام والتحفظ عليها وعدم الإدعاء كما لو كان (ضمير الأمة) او (لسان الجماهير) أو( المنقذ من الضلال) حاله حال مثقف (غرامشي) المثقف الذي يعمل في حقل إنتاج المعرفة . فالأمريكي (مايكل والزر) ينعته ب(اليساري الطفو لي) و(هابرماز) يعتبره مضاداً للحداثة وللعقلانية الحديثة ، وأية حكمة هذه التي تقول(المثقفون اقدر الناس على الخيانة ، لأنهم أقدر الناس على تبريرها)
إذن من هو خريف المثقف إزاء كل هذه المسميات ؟وهل نحن بحاجة الى هذا الخريف المعتق برح المخاطرة ؟ ولماذا الخريف الذي يوحي من العنوان بمرحلة ابتداء لشتاء مقبل ….شتاء طويل لربيع قادم ؟ هل نحن بحاجة إلى اندلاع مثل هذه العواصف المتوقعة والمفاجئة ؟ لماذا نفتح جرح الثقافة العراقية بهذه الطريقة ؟ ولماذا نعترض ونقف بالضد من هذا الخريف كما هو متوقع للأخرس إ ذ يقول في بداية خريفه ” أظن ان هذا الكتاب لن يرضي الكثيرين ، وأكاد اجزم إن أول من سيعترض عليه هو المثقف العراقي الذي نشا في ظل الأيديولوجيات المتصارعة ” أليس الخريف خريفنا، الم يكن أجمل فصول السنة عندنا في العراق.
ان هذا الكتاب لن يرضي الآخرين حسب ما يدعيه الأخرس …بالفعل هو لم ولن يرضي سعدي يوسف ، وحميد سعيد ،ورعد بندر ….الخ لكنه يرضي “احمد سعداوي” بالدرجة الأولى ،و “محمد مظلوم”، وعلي السومري …. وغيرهم لما يثيره الكتاب من أسئلة تركها الباحث باتجاه فتح أفق جديد للكشف عن يوميات الثقافة العراقية الضاجة بالتاريخ والأحزان والمراثي والسر ديات والأوهام الكبرى لما يتمتع به من جرأة وإمكانية لا تتهيأ لكل مثقف.
إذن نحن بحاجة الى كتاب من هذا النوع ليدلنا على الحقيقة ولكن “السعادة الحقيقية هي ان نذهب إلى الصيد … لا ان نقتل الطائر” كما يقول “ايكو .









