ثقافية

الكاتــب فـــي إجــــازة

أمل السعيدي

في الصباح الباكر من كل يوم تخرجُ مستقبلاً المدينة بكل ما فيها إلى ذاكرتك الحذرة، وتشاهدُ كل شيء بعين الرائي الذي لا يرغب في نسيان شيء، وعادة ما كنت تكتبُ عن الشمس وهي تشبه برتقالة، وعندما يسبح الغيم في السماء تكتب عن نصف قشرتها الظاهر، عن وجوديتها الناقصة وهي الضوء كله، عن مدى إيمانها بنفسها في تلك اللحظات الحرجة من عمرها، تفكرُ في أبديتها وفي عمرك القصير، وتكتب قصائد كثيرة، أو مشاهد جديدة من حكايةٍ تشغل بالك، إلا أنك اليوم تقررُ الخروج في إجازة، تقررُ ألا تكتب.. وبينما تشرع في تنفيذ خطتك هذه، تشعرُ أن الهواء بسيطٌ جداً، وأنك بعيدٌ عن الذروة، بعيدٌ عن السياق، وها أنت تمشي في الشارع، ترتبكُ فجأة، لأن عمود الإنارة ما زال مضيئاً منذ ليلة أمس، مضيء في هذا النهار الذي يبدو معتركاً بعيداً عن قيم الليل وغبار الليل، وخطوات التائهين في الليل، واضواء الغرف المخذولة في الليل، وتعرفُ حينها أن لا مناص من كتابة ما تراه. إن الكتابة هي الحبل السري الذي يربطنا بهذا العالم، مهما كان هذا العالم داعراً أو رحباً، لا يمكننا النفاذُ منها، لأننا وكما يقول رولان بارت نرى ذلك الجزء من البشرة الذي يبرق بين قطعتين من القماش (بين السروال والقميص)، إنها موهبة نستكشف من خلالها أن كل شيء يمتلك شعريةً ما، وأن ركضنا في النهارات، يمكنه أن يكون صورة لرياضة إيقاعية ستحظى بها مؤلفاتنا القادمة .لذلك كيف يمكننا الخروج من الكاتب الذي فينا؟ كيف يمكننا أن نتجاهل “جزء البشرة الظاهر بين جانب القميص الفاغر وجانب القفاز والكم”.. هذا الكون الذي يتدفق دون توقف، لا يمنحنا إشارة توقفٍ واحدة، إننا نحرثُ اللغة في كل مكان، نستثير الآبار الموجودة فينا في كل وقت، نلقي بالدلو إلى أعماقنا، إلى أجسادنا، فنكتب شعراً أو سرداً يشبه الماء، يتقلب، وينحني ويتشكل، ويرواغ، ويمنح، إن الكتابات التي نكتبها، علب مياه محفوظة. أذكر أنني ذات يوم قررت الخروج في إجازة، إلى أحد المناطق السياحية، حيثُ الوادي الذي انعكست عليه أشجارُ الرمان، و اتكأت عليه الجبالُ الخضراء مثل أبٍ يذهبُ إلى المصلى وهو يمسك بيد إبنه الصغير، حافظاً طريقه وطريق ولده إلى لقاء الرب، كان هنالك مجموعة من الأطفال الصغار يومها، يلبسون ثياباً للسباحة، ويقفزون من أعلى تلة قريبة إلى القاع، فتطير حباتُ الماء إلى الأعلى، لترسم بهجةً صغيرة على جبهة هذه الحياة، إلا أن ولداً كان يجلسُ عند الجانب الآخر من التلة، يرتدي لباساً تقليدياً، يرسمُ على الأرض بعودٍ خشبي، بينما يتأمل في الأطفال الآخرين وملابسهم الغريبة، ظل يرسمُ هكذا قرابة النصف ساعة، حتى قام فرفع ثوبه الطويل وأدخل قدميه في ماء الوادي. هرعتُ حينها إلى الكتابة كما لم أفعل من قبل، نسيتُ الإجازة، وتذكرتُ نفسي، تذكرتُ ذاتي.. ويقول رولان بارت أيضاً في مقالة له أسماها (الكاتب في إجازة): “الكاتب هو فريسة إله داخلي، يتحدث كل الأوقات دون أن يهتم. الكاتب يحافظ على طبيعته ككاتب أينما ذهب وامتلاكه للعطلة يعني أن يعلن عن إنسانيته، لكن الإله يبقى والكاتب يظل كاتباً، مثلما كان لويس الرابع عشر ملكاً ولو كان جالساً على كرسي مثقوب، وهكذا فإن وظيفة رجل الأدب بالنسبة للأعمال البشرية، تشبه وظيفة الرحيق بالنسبة للخبز، جوهر عجائبي خالد واذا اتخذ شكلاً إجتماعياً ما فذلك لكي يفهم إختلافه المهيب بشكل أفضل”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان