(( كان (وولي) ينظر إلى مدينة أور بوجل وخوف. فهي من اللائي حصلن على ذكر في التوراة كونها المدينة التي ولد فيها إبراهيم وأبيه تارح، وظل وولي طوال سني التنقيب في أور يشتغل هاجس أن يجد في لوح أو أثر أو رابط مادي أو حتى إشارة تثبت وجود النبي في المكان، ويبدو انه لم يحصل على هذه الأشارة فراح يؤمن بفرضية أن النبي غادر المدينة مبكرا ليبدأ رحلته إلى الشمال..))
السير ماكس مالوان / زوج الروائية آجاثا كريستي
يوم أحترقت أور من ويلات حظها العاثر مع التاريخ ، مطرت سماءَ الجنوب سبعة أيام بليالها ، وقيلَ أن القمر الذي كان يحرسُ أعيادها الموسمية بغبطةِ قيثارات الموسيقى ، حجبَ ضوءهُ عن الأرض ثلاثينَ ليلة ، وأن جميع الآلهة أعلنت أضراباً عاماً ، وبالتالي المعابد من بكين الى لكش أغلقت أبوابها حزناً على مدينة أحرقها غرامها للورد والقمح وجنح البلبل. ومهما يكن فأن المدينة الولود ظلت حية وخالدة وأرخت لأزمنتها تواريخاً مهمة لصليل السيوف وحفيف سعف النخيل ورئة الغبار الذي كلما رفع منه قنطار بواسطة معول المنقب ظهرت لنا دمية من فخار أو قرط ذهب أو لوح دون عليه ثملٌ سومري حكاية الشعر من مخاض الحرف وحتى شيخوخة الأمير. كانت أور ، الزمن الذي لايباع في نخاسة الهذيان ، معه يكتشف الملك لحظة الخجل الذي تسكنه وقت سرير الألفة مع واحدة تعرف كيف تحول الغنج الى دنيا من الخمر والهذيان ، ومعه أيضا يحس الجنود بأن موت الوغى يمنح التفرد رؤية لما نكون عنده في الحياة الأخرى ، فليس للسرمدية باب غير باب أور، ولهذا كان الجنود يقفون عند حافات الرماح وينشدون لحدائق الامنية التي تسقى بدماء عشقهم لهاجس المدينة وصيرورتها وضرورة أن تكون واحدة من صناع صدور الأوسمة ، لأنها مدينة للمحاكاة العميقة وليست مدينة لملح المطابخ وطناجر العوانس والمهن الرديئة. ولهذا كانت الآلهة لاتحس بطعم الربيع ومجالس الأنس والورد وتبادل الأنخاب إلا فوق زقورتها في ليالٍ وصفتها الأساطير والملاحم إنها قد تدوم الف عام دون أن يحس المنتشي بخمرة قبلتها الفاتنة أنه قضى ليلة واحدة فقط ، فالمدينة تأخذك الى نشوة ما تريده هي لما تريدهُ أنت ، وعليه فأن الخضوع لسحرها هاجس لا مفر منه لأنها ساحرة ، والساحرة هي من تعذب عشاقها بقساوة الشعر والخمر وحمرة القبلات ، كالذي فعلته بغي الجسد مع أنكيدو لتكسبهُ وتعيد أليه انسانيته الجديدة بعد حياة التوحش والبراري ومصاحبة الضباع .هذا الفاتنة التي تعلم زائرها فتنة التشهي بين طلل لم يبق منها شيء سوى أضرحة التواريخ المنهوبة كانت في يوم ما ماكنا عاما تستريح عنده دموع الفقراء وطقوس الكهنة وخزائن الملوك ، وبالرغم أن كل تلك الاشياء المضيئة نهبت في صناديق الشحن الأستعماري المفوض بسلب عذرية المدينة من صلاحيات بنود ذكرت في معاهدة سايس ــ بيكو لتكتب المس ( جيروتلد بيل ) ، وهي التي كوفئت لخدماتها الأستخباراتية في العراق لتصبح مسؤولة عن الآثار العراقية في عشرينيات القرن الماضي : إن ما اكتشفه ( ليوناردو وولي ) ، في اور يساوي قيمة ماعلى التاج البريطاني من جواهر بالآف المرات. والحقيقة وولي أنه اكتشف الحياة البكر التي كانت تهنئ بغذريتها وخصوبتها ومطلقها الشهي عندما كان الأنسان يشعر بالرضا عندما تسلبه الالهة نسمة الهواء او تمنحه طعنة السيف في معركة الشرف فقد كان يعلم ان دلمون بفردوسها البهي تنتظره هناك ،وسوف لن يتناول رغيف الشعير وقدح اللبن في فطور صباحات الجنة بل سيكون العسل ولحوم الثيران واللبن الرائب والحورية العارية هو ما سيجده على مائدة الافطار كل صباح ، ولهذا كانت اساطير المدينة وخيالها يركن الى هذه الرؤية وفيها تصاعد الاداء الروحي للمدينة وبسبب كل هذا كان ملوكها يمتهنون حرفة كتابة الشعر والتأليف الموسيقي وصنع الحكايات التي تجعل ليل مواطنيهم عامرا ببهجة التمني والرضا والاستماتة في الدفاع عن حدود السلالة. ففي ذلك الزمن كان عشق المدن قد يفوق عشق النساء فتنحدر من تحت أجفان الليل حكايات لاتنتهي عن بلد صنع المأثرة في اعمق معنى ، ومنها اطلقت للبشرية شمعة الضوء الوحدانية عندما احتضنت صرخة الولادة التي اطلقها فم ابراهيم الطفل يوم ولد في بيت اوري ولم يلتفت بأجفانه صوب دمى الالهة التي كانت تملأ غرف بيوت المدينة ، بل كانت رؤياه شاخصة الى السماء هناك الاله الواحد والرب العظيم وهو قد لايشبه تلك الآلهة التي ظلت تنسج من خلال نظرتها صورة ملونة للعالم الذي تعاشره من خلال عربات قوافل التجارة والقماش واللازورد الذي كان يأتي اليها من الهند وأرمينيا وكل حاضرة كانت تعيش عندما كان يعيش على الارض مجد اور المقدسة. مدثرة بالشعر وبالطين وبالجرح.وكل بلاء يصيب فؤادها يمنحها قدرة المطاولة وصناعة سحر الفناجين ، فيقرأ دمع العين لها اساطير من اختارتهم المنافي شعراء لها وعلماء وفنانين كبار ، فقد كان الحلم الأوري ماركة مسجلة ، وكل من يحمله قطار اور القديم يأتي ومعه شذى الف مسلة والف قصيدة والف نظرة ساحرة ، حتى قيل من غبار أور يصنع الهيل ، ومن فخارها تصنع مطارح الهوى، فمدامها مثل مدام دمعة العنب ، ثمالة البكاء هو كل ماتجده ، والبكاء على زقورتها يعني سلمة ثانية الى طيف القمر الجالس في مخدع الشوق يُحصي اعداد عذارى المدينة ويحتار لأي واحدة يكون هواه.









