تنقسم أساطير الخليقة، أو أساطير “التكوين”، إلى ثلاثة أنواع، هي أساطير خلق الآلهة “ثيوغوينا” وأساطير خلق الكون “كوسموغونيا” وأساطير خلق البشر “أنثربوغونيا”، وهي أساطير ظلّت تراود الفكر البشريّ وتستشري في إبداعاته الفنية والشعرية ما حفزنا على الحديث عنها ضمن هذه المقالة التي نخصصها للنظر في هذه الأنواع الثلاثة التي تتألف منها الأساطير السومرية. تعدّ الأساطير السومرية أول الأساطير التي دوّنت في تاريخ الحضارة الإنسانية. وهي أساطير تناقلتها الألسن وحفظتها الصدور على مدى آلاف السنوات وساهمت بشكل جليّ في نشوء الكثير من ديانات الإنسان ومعتقداته وفلسفاته.
نرجح أن تكون هناك أساطير خاصة تدور حول ولادة كل سلالة إلهية أو مجموعة آلهة، وإذا عدنا ونظرنا في شجرة أنساب الآلهة السومرية فإننا سنتخيل عدد الأساطير التي وصفت ظهور الآلهة ونشوءها. ولكن الأساطير الثيوغونية “الخاصة بنشوء الآلهة” ليست وفيرة العدد إلى الحد الذي يتناسب مع حجم الولادات الإلهية عن بعضها كما نراها في الشجرة. فبعد أن تحركت الآلهة “نمّو” وظهرت آلهة العناصر الأربعة شكّل الأبوان الكبيران للآلهة “إنليل” و”إنكي” أساس ظهور الآلهة المتبقية.وهناك أسطورتان ثيوغونيتان، كل واحدة تربط بأحدهما سلالة من الآلهة المتوالدة، وسنتحدث عن بعض أساطيرهما الثيوغونية وسنكتفي منها بالأسطورة الثيوغونية الإنليلية وهي أسطورة “إنليل وننليل وولادة الإله نانا إله القمر” التي تبدأ بوصف مدينة نفّر ثم تظهر أم الآلهة ننليل وتسمى “ننبار شكونو وهي الألهة نصابا إلهة الجنوب والمعرفة” والتي تنصح ابنتها بأن لا تخلع ثيابها وتسبح في النهر خوفاً من أن يراها إنليل، لكن ننليل تفعل ذلك فيراها إنليل ويفتن بها ثم يأمر وزيره “نسكو” بجلبها له في قاربه، فيخلبها ويضاجعها في القارب ويبذر في أحشائها بذرة الآلهة القمر “نانا”. لكن مجلس الآلهة عندما يعلم بذلك يعتبر ذلك جريمة اغتصاب ويقرر نفي الإله إنليل إلى العالم الأسفل.وحين يذهب الإله إنليل إلى العالم الأسفل تتبعه ننليل وهي حامل بإبنها القمر. وعلى بوابة العالم الأسفل يجد إنليل حارس البوابة فيتخذ هيأته ويأمره بأن يتوارى، ويقف هو مكانه كحارس للبوابة. وعندما تجيء ننليل يقنعها إنليل المتنكر بأنها إذا أرادت أن تنفذ بذرة الإله القمر فإنها لابد لها من قبول مضاجعته لكي تلد إلهاً يكون بديلاً عن الإله القمر وعند ذاك يمكنها دخول العالم الأسفل دون أن تضحي بولدها، فتقبل بذلك.ويتكرر هذا الأمر لثلاث مرات، وبذلك تلد الإلهة ننليل أربعة أبناء هم الإله القمر نانا، الإله نركال “مسلامتيا” وهو إله العالم الأسفل، والآلهة ننازو وهو إله الشجرة وإله الطب في العالم الأسفل والآلهة اليجبيل وهو إله النار السفلى.وبذلك يبقى الآلهة الثلاثة الأخيرون في العالم الأسفل ويصبح من الممكن تحرر الآلهة الثلاثة الكبار إلى العالم الأعلى وهم إنليل وننليل ونانا، لأن أحكام العالم الأسفل تقضي بأن الآلهة إذا نزلوا إلى العالم الأسفل لا يخرجوا منه إلا إذا أتوا ببدائل إلهية عنهم يبقون مكانهم في العالم الأسفل. إن هذه الأسطورة تسلط الضوء على كيفية ولادة أربعة من الآلهة المهمين في الشجرة الإنليلية وتحمل في داخلها علاقات سببية دقيقة وهي أسطورة محملة بالرموز والمعاني العميقة. لا تسعفنا المدونات السومرية بأسطورة خاصة عن خلق الكون، ولكننا نعرف من مقدمات القصائد والأساطير الأخرى أن الكون في نظر السومريين ظهر من الآلهة السومرية الأم الأولى “نمـّو” nammu وهي آلهة هيولية تحركت فيها إرادة الخلق وتصارعت الحركة مع السكون ونتج عن ذلك تكون الكون “آن – كي” الذي يعني “السماء- الأرض” وهو جبل كوني يعوم وسط مياه “نمو”. وكان السومريون يسمون الزمان الأول الذي بدأ فيه الخلق أوريا “Uria”، وهذا يعني أن ثلاثي الخلق الأول عند السومريين كان مكملاً لبعضه، حيث المادة الأولى “نمو” والزمان الأول “أوريا” والمكان الأول “آن- كي”… وبهذا الثالوث التكويني يتحرك الوجود كله وتصير استعادته الدائمة في الطقوس والشعائر الدينية محور هذه الطقوس.









