عدنان الفضلي
بعد أن توقفت عن محاكاة الألوان نحو عشرين عاماً ونيف، عادت تلك الأنثى المختزلة لكثير من الابداع لتحتك مجدداً بالفرشاة تحركها باناملها، بعد ان استعادت بعضاً من الألفة بينها وبين الألوان التي فارقتها بمحض ارادتها، أو لعوامل مختبئة بداخلها، نعم عادت الدكتورة حنان العبيدي ومعها كثير من الأفكار التي تريد ان تبثّها من منظومة وعيها المتجدد، على قماش له لون البياض الساحر، فحفزت كل حواسها لتجمع ما تيسر من جنون التجريد والسريالية عبر اشتغال خاص بها، وبما انها أنثى، والأنثى تستطيع ان تقرأ ما يدور حولها بمنظار العاطفة، الا ان العبيدي لم تفعل ذلك وحده بل جمعت مع العاطفة وعيها وعقلها لتشتغل على لوحة تسترسل بسرد العلاقة الشائكة بين الأنسان المذكر والانسان المؤنت، فكان لها ذلك عبر لوحتها البكر، التي جاءت بعد كل ذلك الفراق بينها وبين اللون، فقد شاركت مؤخراً في مهرجان (لقاء الأشقاء) بلوحة اسمتها نساء نفاخات.. رجال فقاعات).
اللوحة التي صاغتها أنامل الدكتورة حنان لم تخذل متلقيها الذي ربما أنتظرها أكثر من عشرين عاماً ، فقد وجدت حولها كثيرا من المهتمين بها ، والمتسمرين عندها ، يشخصون مكمن النبض فيها، ويتلمسون السبل والطرق والنوافذ التي قد تفسّر لهم شيفرة العبيدي، التي وضعتها داخل اطار انتمت بداخله افكار سريالية متماوجة ومتشابكة ، لتعلن عن تكنيك خاص بالعبيدي يجعل متلقيها ، بنشوة تلق مختلفة عما اعتاده ، وبالتالي وجدت لها الجمهور الخاص الذي ترك انطباعه بصوت عال كما فعل الفنان ستار الحسناوي الذي ترك تعليقاً انطباعياً رائعاً جاء فيه”تمثل اللوحة التي أنجزتها مؤخرا الباحثة والفنانة التشكيلية د . حنان العبيدي رؤيتها الفلسفية الخاصة تجاه العلاقة السرمدية بين الذكر والأنثى، والقائمة على تصحيح الاعتقادات الخاطئة حول هذه العلاقة وأهمية كل منهما في نشأة الكون والحياة،منذ بدء الخليقة الأولى التي كانت الانثى فيها هي الأصل وهي المبتدأ،مرورا بتخليص الأذهان من فكرة الخطيئة الاولى التي تلحق عادة بالمرأة-الأنثى وكأنها هي وحدها التي تتحمل أوزار تلك الخطيئة،وما يترتب عليها من غضب ولعنات ونظرة دونية،حاول الذكر –الرجل أن يرسخها بمرور الازمان،ملقيا ظلالا ثقيلة من الأغطية اللاهوتية التي يدثر بها الحقائق الأولى،ويحاول بها ان يجنب نفسه مسؤولية الغضب الالهي الذي ما كان ليكون لولا الأنثى الخاطئة المحرمة التي قدمت اللذة على صحن الأغراء للذكر المسكين، الواقع بين اغراءات الأنثى وحبائل الشيطان، ولذة التفاحة وفحيح الأفعى!
والذي يعرف د. حنان العبيدي،ويعرف أفكارها وشطحاتها ووساوسها، يتمكن بسهولة من حل ألغاز لوحتها التي حملت عنوانا قريبا الى السخرية (نساء نفاخات – بالونات – .. رجال فقاعات) اذ ان نساء العبيدي،محلقات بخفة البالونات في جوف الحياة والكون،وكأنهن يحاولن الأنعتاق من لعنة وخطيئة الحقت بهن زورا وبهتانا،أما الرجال المتسترون خلف ذلك الزور والبهتان والأكذوبة الكبرى،فأنهم فقاعات زائلة،متسربة في نهر الحياة،وفي وجوههم ذهول ودهشة من تلك الأنثى التي حلقت في فضاء المعرفة والحقيقة،في عناد وإصرار لتحطيم اسطورة الرجل –الفقاعة،وإعادة الاعتبار الى ذاتها الانثوية التي كانت هي الأصل والغاية والمنتهى،قبل ان تطمر تحت ركام الاعتقادات الميثولوجية التي كان الرجل بارعا في توظيفها واستغلالها وترسيخها عبر التاريخ،من أجل أن يقلب المعادلة،ويصبح هو السيد المطاع،هو الأصل، وهي الخادم التابع المسكون بذل الخطيئة والندم”!
د . حنان العبيدي،متحمسة لتصحيح تلك الفكرة عن المعادلة التي ولد فيها الانسان (الجندر) نوعا لا جنسا،وإعادة الاعتبار الى الانثى، ليس دفاعا فطريا عن جنسها فحسب، انما دفاعا عن الحقيقة الكونية التي نشأت على أساسها الخليقة، وكانت الأصل فيها .. هي البالونة – الأنثى. !









