ثقافية

البير كامو في "وقائع جزائرية" المستعمر والمستعمَر شيطانان في صراع دموي

يا لسوء حظ رجل بدون مدينة.. لن أظل بدون مدينة.. إنني بلا مدينة”، هكذا تغني الجوقة في كتاب “مذكرات: 1951-1959” بقلم الروائي الفرنسي ألبير كامو (1913-1960). ولكنه يمتلك مدينة، وهي ليست فرنسية، بل جزائرية وُلد فيها لأسرة من الطبقة العاملة تَرجع أصولها إلى مستوطنين فرنسيين، وقد تاقت نفسه إليها حين غادرها إلى باريس عام 1942. وعن مسقط رأسه خطَّ كتاب “وقائع جزائرية” الصادر باللغة الأنكليزية عام 2013 عن دار نشر جامعة هارفارد في الذكرى المئة لميلاد كاتب الوجودية العتيد. ترجم الكتاب الأميركي أرثر جولدهامر (1946) وحررته أليس كابلان رئيسة قسم اللغة الفرنسية بجامعة ييل. يضمّ كتاب “وقائع جزائرية” مختارات من مقالات كامو وخطاباته على مدار عشرين عاماً من التاريخ الاستعماري، بدءاً بفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى تأسيس الجمهورية الخامسة؛ يسبر العلاقة الشائكة بين فرنسا والجزائر متأملاً بعين الأخلاق قضايا الفساد والإرهاب والظلم والعائلة والاستعمار ومتيحاً لكامو فرصة – وإن جاءت متأخرة – لعرض قضيته على الجمهور الناطق بالأنكليزية.. يشدد كذلك الكتاب على كلمة كامو الأخيرة في الشأن الجزائري ليضع حداً لعامين ونصف من صمت أعقب دعوته الفاشلة المحبِطة إلى هدنة مدنية بالجزائر عام 1956؛ صمت استحال وفقاً لكابلان في مقدمتها “كنايةً عن الجُبْن”.

براءة القصد

لا شك في أن كامو لم يتحاش -روائياً أو صحفياً- الحال الجزائري. تصرخ روايته “الغريب” (1942) بعبثية الكون فيما تتدبر رواية “الطاعون” (1947) مغزى الحرية داخل الحجز الصحي وخارجه، وكلاهما جزائري الشكل والجوهر.. صحفياً أنجز كامو عام 1939 تقارير عن القبائل، وهي منطقة جبلية تسكنها أقلية بربرية. وشأنه شأن القاص الروسي شيكوف عند زيارته لجزيرة ساخالين، تولاه الانزعاج لِما نجم عن القحط من كوارث إنسانية، “الحقيقة هي أننا نعيش يومياً بجوار أناس لا تختلف حالتهم عن الريفيين الأوروبيين منذ ثلاثة قرون بيد أننا -ونحن فقط- لا نبالي بمأزقهم اليائس”.. غامر بعد ذاك بطرح اقتراحات راديكالية، “سوف يتوفر لهم المزيد من المدارس عند إزالة الحاجز الزائف بين مدارس الأوروبيين ومدارس أهل البلد”. ولكن كامو كف في العقد السادس عن القيام بدور المتحدث بلسان الجزائر بعد أن كان شاباً في طليعة مسلطي الضوء على ورطتها فلَاح كالمنفصل عن واقع مسقط رأسه. الحق أن هذا لم ينبع من بيعه للقضية، وإنما من منظور عالمي لم يَرْنُ إلى الجزائر إلا باعتبارها فرنسية.. حينما ناقش مُعَلِّمه الفرنسي جان غرونييه مصير الجزائر إن حررتها فرنسا عند تناهي فضائح الوحشية الفرنسية، أصر كامو بشيء من الحدة، “لا يمْكنها، لأنها لن توافق أبداً على رمي مليون ومئتي ألف فرنسي في البحر”.

وبمقدور المراقِب أن يتوقع آراء كامو خلال تلك الفترة من خلال مواقف فلسفية تنحو إلى السلمية كخطابه المفتوح إلى السياسي الفرنسي إيمانويل داستي دو لا فيجيري عام 1948: “ما أقول هو أنه يجب أن نرفض إسباغ أية شرعية على العنف، سواء أتت من السلطة الحاكمة أو من الفلسفة الديكتاتورية. العنف لا مفرّ منه، ولا سبيل إلى تبريره”. ومع ذلك لم يَسلم كامو وقتذاك من انتقاد عنيف بسبب ما قيل إنه عدم اكتراث منه للأزمة الجزائرية. وحين لقي حتفه في حادث سيارة بفرنسا، كان محل احتقار معاصريه من اليسار واليمين على حد سواء؛ ومن أبرزهم الأيرلندي كونور كروز أوبراين والأميركي فلسطيني المولد إدوارد سعيد. فقد رموه بالسذاجة، وفي الوقت نفسه الدوغماتية، لِما أضمره من أمل في التوصل إلى حل “ينأى عن التطرف” لمسألة الجزائر. لم يرحب أحد بموقفه الاعتدالي وعناصر الجيش الفرنسي اليمينية تحاول تنظيم انقلاب جزائري. يضبط هذا الكتاب الرؤية ويقدِّم عدة أدلة على براءة القصد، وإن ظل قصداً خيالياً لا سبيل إلى تطبيقه على أرض الواقع. حاقت بكامو صدمة لجوء الجيش الفرنسي إلى التعذيب المنهجي موجِّهاً الخطاب إلى الفرنسيين “إن التعذيب يؤذينا أكثر من مئة من المغاوير الأعداء”؛ ولكنه لم يدعم استقلال الجزائر الكامل معتقداً بإمكانية تحقيق فيدرالية -تفتقر في الواقع إلى العملية والإنصاف- على نهج الفيدرالية السويسرية تتألف من فرنسا ومستعمراتها السابقة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان