عبد الحليم الرهيمي
تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة المطالبات الشعبية والتي انضم اليها عدد من القوى السياسية ومن السياسيين، بتغيير او تبديل (المفوضية المستقلة للانتخابات) بمفوضية جديدة اكثر استقلالية واكثر مهنية، وكذلك تغيير قانون الانتخابات المجحف الحالي المعدل وفق صيغة (سانت ليغو) بقانون آخر.
وبقدر ما تعبر تلك المطالبات عن رغبات وتطلعات معظم العراقيين، أملا في ان يشكل ذلك احد المداخل الرئيسية للاصلاح وتعديل مسار العملية السياسية، فانها تعبر أيضاً عن ادراك شريحة واسعة من السياسيين بأن هذا المدخل المطلوب لاصلاح العملية السياسية سيساعد في إنقاذها مما هي فيه من مأزق واختناقات مثلما سيساعد في اعادة – ولو بقدر قليل – الثقة التي فقدت بين الدولة والعملية السياسية من جهة، وبين المجتمع من جهة اخرى .
ورغم ذلك، فان هنالك اعتقادا سائدا بأن بعض الكتل البرلمانية المهيمنة على المشهد السياسي ومساره التي ركبت ولا تزال موجة الدعوات للاصلاح، تريد وتسعى ايضاً لأن تتصدر المطالبات الشعبية الواسعة لتغيير المفوضية وقانون الانتخابات، املا في احتوائها وتجويفها والالتفاف عليها عبر الاتيان بمفوضية لا تختلف عن مثيلتها الحالية القائمة على المحاصصة الحزبية والعاجزة عن تحقيق انتخابات عادلة ونزيهة يقر بنزاهتها الرأي العام العراقي والمجتمع الدولي باعتبارها تمثل حقاً الارادة الحقيقية للشعب العراقي.
أما القانون الجديد للانتخابات الذي طالبت موجة المطالبات بتغييره، فان تلك الكتل تسعى لاقرار قانون جديد بدلا عنه بصيغة معدلة لسانت ليغو بأسوأ من التعديل السابق والمجحف لها، كما رشح من بعض أوساط البرلمان! ولكي يتم قطع الطريق على محاولات الالتفاف على المطالبات الشعبية وتجويفها ينبغي العمل على استبعاد الأسس الخاطئة التي قام عليها اختيار اعضاء المفوضية اعتباراً من الدورة الثانية للانتخابات وحتى الدورة الأخيرة والقائمة على اساس المحاصصة حيث لا يتمتع الكثير من اعضائها بالمهنية والاستقلالية المطلوبتين، ولذلك، وحتى يتحقق ذلك ينبغي اشراك الامم المتحدة والتنسيق معها ومنحها دوراً فاعلا ومؤثراً في اختيار أعضاء المفوضية الجديدة، وكذلك في صياغة واقرار القانون الجديد للانتخابات بما يستجيب للمطالبات الشعبية ولروح العصر، فضلا عن استجابته وأخذه في الاعتبار تجربة الانتخابات في الدورات السابقة والاخطاء الكبيرة التي رافقتها سواء بالممارسات العملية، او جراء مفوضيات المحاصصة او بسبب القوانين المجحفة للانتخابات وآخرها قانون الدورة الاخيرة الذي اقر اسوأ صيغة لسانت ليغو، وفق آراء العديد من القانونيين.
وبالطبع ، فإن الانتقادات والطعون التي توجه لمفوضية الانتخابات للدورات السابقة وسلبيات أدائها لا تعني بالضرورة توجيه الاتهامات او الادانة لها، انما تعني الاشارة القوية لمواطن الخلل الذي شاب عملها خلال الدورات السابقة والتي تحدثت عنها منظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام، وعدد غير قليل من اعضاء البرلمان نفسه وذلك بهدف اصلاح ذلك الخلل اصلاحاً جدياً، وهو الأمر الذي لا يتحقق الا بتبديل مفوضية الانتخابات وسن قانون جديد متطور ومنصف تستند اليه الدورة القادمة للانتخابات عام 2018.
وتشير المطالبة بسن قانون جديد للانتخابات بترافق المطالبة بتغيير المفوضية الى تكامل الرؤية ازاء اصلاح العملية الانتخابية، ذلك ان سن مثل هكذا قانون يأخذ في الاعتبار عدم ثقة الرأي العام بمسار ونتائج العملية الانتخابية التي يعتبرها مجحفة وغير عادلة يعني تحقيق خطوة مهمة في مسار عملية الاصلاح على هذا الصعيد، مثلما يعني ايضاً تجديد ثقة الرأي العام بهذه العملية الانتخابية بعد ان عبر بأشكال عدة عن احباطه وعدم ثقته بمسارها ونتائجها واعلانه العزوف عن المشاركة بها في الدورة القادمة ما لم تتحقق تلك الاصلاحات.
ان ما سيشير الى، ويؤكد على، استقامة واصلاح العملية الانتخابية بعد تبديل المفوضية وسن قانون جديد للانتخاب والتوجه الشعبي الواسع للاشتراك بها هو ضمان الحد او ضبط التزوير الذي شاب الدورات السابقة، وكذلك ضمان عدم هيمنة المال السياسي على العملية الانتخابية من خلال تحديد مقدار ما يحق للمرشح ان ينفقه من مال على دعايته الانتخابية، فضلاً عن ضمان عدم استخدام امكانات السلطة لمرشحي اجهزة الدولة، كالوعد بالتعيينات او منح امتيازات خاصة، او اصدار التعليمات لمنتسبيهم لانتخاب قوائم او اسماء محددة، كما حصل في الدورات السابقة.
اما الاجراء المهم، بل الاهم الذي ينبغي على المفوضية الجديدة عمله بعد ان يثبت في القانون الجديد فهو اعلان نتائج الانتخابات في نهاية اليوم نفسه بعد اغلاق صناديق الاقتراع او في اليوم التالي على ابعد تقدير، كما يجري في الدول المتقدمة، حيث تتوفر الادوات العملية لتحقيقه، وذلك درءاً واستبعاداً للشكوك الكبيرة التي تدور حول تأخير اعلان النتائج لاسابيع وقناعة الرأي العام بأن سبب ذلك هو سعي القوى السياسية المهيمنة للتلاعب بالنتائج وترتيبها لمصلحتها!!.









