علوان السلمان
النص الشعري خطاب ثقافي يتجاوز المألوف بابعاده المتشظية ومحاكاته للاشياء بالالفاظ الخالق منها الشاعر والمبتكر فيها..بانفعال مقترن بتجربة جمالية واعية للفعل عبر رؤية حسية متخذة من اللفظ تاريخا ووظيفة..
والشاعر (رعد زامل) في نصه الشعري(ميسان) يتكئ على سردية درامية واسس تشكيلية مع حضور الوصف والموروث باستحضار الحكي وحوار الذات..
ميسان وجـــهك شــــلال ٌ يكــــــللهُ عطر الجنوب فأنت اليوم منهله
والشعر صوتي الذي ينساب مرتفعا عذري بان جناح الشوق يحمله
يا أطيب الطين في تقويم خالـــــقه في ســــورة المهد أطفالا نرتله
ها قد كبرنا وهذا الطين ما كبرت إلا براءته الأولــى تظــــــــــلله
كم اغتربنا وكـــم ضاقت بنا مدن وكم وقفنا بباب اليتــم نســــأله
عن السبيل إلى ام أناملـــــــــها ثوب انتمائي بخيط الصبر تغزله
فالشاعر يحاول الامساك بالنسق الحكائي والتوتر الدرامي مع حركية مميزة بدفقها الصوري برؤية اختزلها بنمط تعبيري يفتح باب التأويل ويسهم في اتساع الرؤية باستلهام الماضي واستحضاره كنسق معرفي وحضاري يختزن طاقة مضافة مكتظة بمنظومة من القيم التي تحدد معالم الواقع التي يعلن عنه المنتج(الشاعر)..الكائن الفاعل..المكتشف للوجود وعوالمه وتشكلاته المكانية التي فرشت روحها على امتداد النص فكانت متزاحمة على وفق رؤية تعبيرية تشكل جغرافية مسكونة بالحياة والموت..
وعن بقايا اخضرار العشب عن قصب وعن أب ما غفا في الحقل منـــجله
عن صمت عصفورنا الفضي محتشدا بالزقــزقات بــــــلا أنثــى تكمــــــله
عن لون أكواخنا يـمـــــــــــتد سلسلة ما أعذب الشدوَ لو صمت يكـــــبله
ميسان كم أكلوا من قمــــــح قافيتي ولست غير الأسى في الجوع آكله
فالنص مشحون بالانفعالات التي تكشف عن قدرة تقنية ممزوجة بالحضور التاريخي والتراجيديا الانسانية.. فالشاعر يمازج بين شعوره وخياله في ملامسة الواقع واستفزاز الذاكرة مع استثمار المدركات الحسية والبصرية والسمعية عبر لغة تحتضن في كينونتها عناصر الحياة باحاسيسها ومشاغلها وحركتها ومناخاتها متماشيا والعصر باعتماد المفردة المشعة البعيدة عن التقعر والعبارة المكثفة التي تتفاعل وانفعالات الشاعر الوجدانية والنفسية من خلال اقتناص اللحظة الحدثية والكشف عن دلالاتها باقتصاد لغوي..رمزي دال.. اضافة الى توظيفه المعاني المجازية لتستدعي المتلقي للمشاركة في اكتشاف المعنى..فضلا عن توظيفه بعض الظواهر الاسلوبية التي اسهمت في نضج النص.. فهو يوظف تقانة التكرار اللفظي(الحرف/الاسم/الفعل) ليحقق ايقاعية مضافة ويسهم في تثبيت الايقاع الداخلي في فضاء النص الشعري..والنداء الاسلوب الطلبي والوسيلة البلاغية والنحوية التي تشكل جملة فعلية حذف فعلها وفاعلها وبقي مفعولها كي يضفي الحركية والحيوية على المعاني مما يسم معمار النص بسمة زخرفية نغمية الى جانب الحس النفسي والمكاني..
ميسان وجهك وجهي وانتماء دمـــي نهر شواطئك الحــيرى تؤوله
ما سر حـــزنك فـــــي عيني اكتــــمه عين تحرم ما أخرى تحـــــلله
ما سر نهرك يتيــــــمات منابــــــــعه بعد الحسين بلا مجرى يعلله
ما سر نخلك بالأسرار حمـــــــــــــلنا لما كتمنا أباح السر مجـــمله
لا الشمع في الليل شمعي كي أسامره ولا الضياء نديمي حين أشعله
فالشاعر يغور بقصدية فاعلة في مديات الواقع بنسق بنائي حداثي كاشفا عن جوانب اجتماعية ونفسية وفكرية مع اثارة النسق المضمر وفق آلية تتجاوز الحسية لتحقيق النسق الجمالي المستفز لذاكرة المستهلك(القاريء).. باستلهامه ينابيع التراث المتلاقحة والمعاصرة فيضفي على نصه حيوية تتمخض عن دينامية تسهم في توزيع مديات النص المتصاعد بخط بياني تبعا لعامل التطور الموضوعي الذي يستولي على هاجس المنتج(الشاعر) فيتحسس نبض الزمان والمكان والذات الجمعي المتناغم وابيات النص الذي يسير بنسق خطابي مؤطر بوحدة موضوعية محتضنة لصورها وايقاعها المختزل للمشاعر مع توظيف المفارقة الظاهرة الفنية المنبثقة من الصور التمثيلية..الحوارية واللفظة المجازية الكاشفة عن بصيرة بجوهر اللغة..
اكلما جنحت للوصل ملهـــــــمتي هبت على وصلها ريح تؤجـــله
وكلما اتسع المعـــــــنى بخضرته ضاق الربيع وخان الوقت سنبله
وكلما استعصم الناجون في بلدي قامت على رأسهم حرب تزلــزله
فالشاعر يخلق من نصه صورا انفعالية متحققة عبر(الذات(الانا) والذات الجمعي الاخر والنص بكليته)..حتى تصبح الصورة معيارا ثقافيا كاشفا عن المضمون والتجول الحاصل في مفاصل الوجود..فضلا عن انه يوظف ادواته الشعرية لتشخيص الواقع بحرأة النص لزعزعة الثابت وتحقيق فعل الكلمة باثارة المعنى واستفزاز الذات الجمعي الاخر بمدلولها الخطابي لتحقيق قصديته عبر لغة نافذة..مؤثرة تعتمد المفارقة المعلنة عن رؤية شعرية تحتضن الزمن..
رباه زهوا تركت الحرب خلف دمي أخشى من الحرب ان عادت تكبله
أخشى على وطني في البحر اتركه وألف موج الى فرعـــون يوصله
أخشى عليه اذا قامت نبــــــــــؤته يكون في يده البيــــــضاء مقتله
كيف انتهائي الى عشق بدجــــلته لا زلت والماء ظـــــــمانا اوله
قد كنت في هجره أصبـــو لآخره فكيف في وصله قد جــف أوله
من مبلغ الحي يا ميسان ان دمي يدور في البيد محموما مهلـــهله
تاه الحمام وظلت كل ذاكرتي تشكو الغبار على كفي وترسله
فالنص تتضافر في نسجه وسائل درامية لخلق عالمه المتخيل الجامع ما بين العمق الشعوري والافق الانساني..اضافة الى انه حافل بالتقمصات الوجدانية وهو ينحو منحى سرديا عميق الدلالة بمؤالفته بين الذاتية والموضوعية فينم عن نضج في الانفعال ونفاذ في البصيرة مما يكشف عن نضج فني ونفسي..
وبذلك قدم الشاعر نصا يشتغل على بنية مؤطرة بالمعطيات الحسية مع اتخاذ المكان حيزا فاعلا متواشجا مع البعد النفسي..باعتماد بنى شعرية متعددة (بنية اللغة الشعرية وبنية الصورة الشعرية وبنية الايقاع الشعري).. وهويتمحور حول الهم الانساني والوطني والاجتماعي ..المشبع بدلالات متناظرة مع الحس الميثولوجي والتاريخي كي يستنهض الذاكرة وينبش خزينها الفكري بتأكيدها على المكان بوصفه بؤرة ثقافية مؤثرة ومتأثرة..









