علاء الزيدي
و على الرغم من أنّ هدف التنظيم الإرهابي الأساسي من وراء هذه الهجمات المحدودة النطاق و القليلة التأثير مع كونها سبباً لاستشهاد و جرح عدد من الزوّار الأبرياء يتركّز على محاولة الثأر لتراجعه المستمر ، لكنه ينسجم مع نفسه عقَدياً أيضاً في هذا الإتجاه ، كفصيل وهّابي يعتبر مهاجمة المسلمين الشيعة و مراكزهم و المراقد المقدّسة لأئمتهم – أئمة المسلمين و أسباط الرسول – الهدف الأول لتأسيس الفرقة الوهابية بمختلف تفرّعاتها و تنظيماتها – بما فيها داعش نفسه – و خصوصاً كيانها السياسي القائم في شبه الجزيرة العربية و المعروف بالمملكة السعودية .و في الواقع أننا يمكننا القول أن الوهابية لم تتوقف يوماً عن انتهاز أية فرصة سانحة لمهاجمة المسلمين الشيعة و مراكزهم و المراقد المقدسة في مدنهم على امتداد الزمان، و لعلّ إلماحة تاريخية إلى ذلك تؤكد هذه الحقيقة دون أدنى شك. لقد هلك إمام الوهابية محمد بن عبد الوهاب عام 1792م ، لكن الكيان الفكري و السياسي و الأيديولوجي الذي أنشأه – دولةً و تنظيمات و مليشيات – كان يحاول منذ البدء الوصول إلى العمق الشيعي – في العراق خصوصاً – و بالتحديد مدنه المقدسة ، فلهذه المدن أولوية في بؤر المخيال الديني التعصُّبي للوهابيين ، و الوصول إليها يحقق عدة غايات ، منها قمع الدلالة التعبيرية و الرمزية لهذه المدن التي يكنّ لها الشيعة أهمية اعتبارية كبرى ، و ذلك من خلال تدمير المراقد بتدمير بنائها العمراني و تشويه معالمها الجمالية ، و من ثم تدمير أتباع المذهب الشيعي كموارد بشرية بالعراق عبر قتل أعداد هائلة من سكان تلك المدن ، فالفرد الشيعي أو الرافضي مُشرك و كافر يستحق القتل في عُرف الوهابية ، و بالتالي إهدار القدرة الإقتصادية لتلك المدن من خلال عمليات السلب و النهب لمقتنيات المدن الشيعية ، و لأموال المسلمين القاطنين في تلك المدن ، و ماتخلّفه المدن من دمار شامل. و رغم أنّ الوهابيين و ذراعهم السياسي آل سعود كانوا يتذرّعون لهجماتهم بمختلف الذرائع الواهية ، لكنّ من يدافع عنهم حتى اليوم غير قادر على إخفاء هدفهم الأول و الأخير و هو تدمير المسلمين الشيعة و كيانهم و مقدّساتهم كوجود مضاد للعقيدة الوهابية التكفيرية . فعلى سبيل المثال ، إستغلّ عبد العزيز بن سعود ( في الدولة السعودية الأولى ) شجاراً حصل بين بعض الوهابيين الداخلين إلى النجف الأشرف لغرض التجارة كما كانوا يدّعون و بين بعض عرب الخزاعل من زوّار مرقد الإمام علي عليه السلام مطلع العام 1800 و أدّى هذا الشجار إلى قيام الخزاعل بقتل ثلاثة من الوهابيين لقتلهم أحد شيوخ القبيلة ، الأمر الذي حدا بعبد العزيز بن سعود كما يزعم مؤرخو الوهابية إلى الطلب من سليمان باشا والي المماليك على بغداد تسليم من وصفهم بالقتلة ، و هو ما رفضه الوالي ، فكانت تلك فرصة تاريخية لذلك الملك المجرم استثمرها خير استثمار ، و نفّذ خلالها ماكان يخطّط له منذ وصوله إلى عرش الدرعية ، و هكذا فقد وجّه إبنه سعود و جيشه الوهابي بغزو كربلاء المقدسة و مهاجمة مرقد الإمام الحسين عليه السلام بدلاً من النجف الأشرف التي حدثت فيها الحادثة التي اتّخذها مبرّراً لعدوانه . و هاجم الجيش الغازي مدينة كربلاء في العشرين من نيسان عام 1802( الثامن عشر من ذي الحجة عام 1216 هجري ) ، مستغلاً وجود غالبية سكّان المدينة من الرجال في مدينة النجف للاحتفال بعيد الغدير و ضعف حامية الدفاع عن الحدود الصحراوية لكربلاء ( و هو مايؤكد التخطيط المسبق للغزو ) ، فتقدم سعود وفقاً لأوامر والده حتى أسوار المدينة ، التي كانت شبه خالية ، يرافقه جيش مكوّن من أربعة عشر ألف وهابي مسلّح ، فاحتلّوا مرقد الإمام الحسين رغم مقاومة حامية المرقد لهم بصورة غير متكافئة ، و هكذا دخل الوهابيون المتعطشون لدماء أتباع أهل البيت إلى المرقد المقدس و قتلوا جميع الزوار و معظمهم من النساء و الأطفال إلا من استطاع الهرب ، و بعد أن انتهت المجزرة بنهاية حياة آخر زائر ، استولى الوهابيون المهاجمون على كنوز الحرم المقدس ، بل و تسلّقوا القبة المقدسة ظانّين أنها مغطاة بصفائح الذهب ، فأخذوا ينتزعون هذه الصفائح ، لكنهم توقفوا عن ذلك عندما تبيّن لهم أنها صفائح من النحاس مطلية بالذهب. و يشير ” ألوي موسيل ” إلى هذه الجريمة لكنه يظنّ خاطئاً أنّها حدثت في العشرين من نيسان عام 1801 فيقول إنّ سعود ” غنَمَ ” الكنوز المكدّسة منذ قرون عند قبر الإمام الحسين ، و في طريق عودته قسّم ” الغنائم ” الوفيرة عند حصن القرامطة ” الأخيضر ” و من هناك رجع بمحاذاة الفرات فأغار على القرى الواقعة بين النجف و الزبير ( و هي قرى شيعية طبعاً ). و يؤكد جون غلوب باشا أنّ مأساة نهب كربلاء التي عمل خلالها البدو الوهابيون كل ما في وسعهم لتخريب البناء الفخم و الآجر الملوّن و القبة الذهبية لمرقد الإمام الحسين المقدس استغرقت برمّتها ثماني ساعات فقط ، نفذها المسلحون الوهابيون الذين كان عددهم يبلغ عشرة آلاف ( حسب تقديره ) يمتطي الراكبون منهم ستة آلاف جمل ، وفي مساء اليوم نفسه انسحب الغزاة و تلاشوا في عمق الصحراء يسوقون أمامهم مائتي جمل محمل بالكنوز ، و قد تم ذبح خمسة آلاف شخص بوحشية .و لعلَّ وصف ” ستيفن همسلي لونگريك ” لهذه المجزرة هو الأكثر تفصيلاً رغم خطئه في تأريخ المجزرة بالثاني من نيسان عام 1801 ، إذ يقول إنه في مساء اليوم السابق لذلك اليوم دقّ جرس الإنذار في كربلاء ، عندما لوحظت قوات الوهابيين و هي تقترب من المدينة المقدسة ، و كان معظم سكّان كربلاء ” يحجّون ” إلى النجف ، فسارع المتبقّون في كربلاء إلى التوجُّه نحو أبواب المدينة. و هنا يهبط لونگريك بعدد المسلحين الوهابيين الراكبين إلى 400 مسلح مع إقراره بأن عدد الجمال كان يبلغ ستة آلاف جمل ! و على كل حال ، فقد هاجمت القوات الوهابية المعتدية من معقلها في أحد الخانات القريبة من المدينة أقرب الأبواب إليها ، ففرّ أمامهم بذعر و فوضى الباقون في المدينة و الذين كانوا قلّة من الرجال الذين يفتقرون إلى القيادة ، و الذين فاجأهم الهجوم الوهابي ، الأمر الذي أتاح للقوات المعتدية الوصول إلى المرقد المقدس ، و هناك بدأ المهاجمون الوحشيون بتدمير شبابيك الضريح و جدران الحرم المزينة بالمرايا و خلعوا و نهبوا جميع نفائس الذهب و القاشاني و الفسيفساء و الآجر النحاسي و الثريات و القناديل النفيسة و الأبواب ذات الأعمدة الضخمة التي كان الباشوات و الأمراء و كذلك شاه بلاد فارس قد أهدوها إلى الحرم المقدس، و ذبحوا ما يقارب الخمسين شخصاً داخل الحرم و خمسمائة شخص داخل الصحن ، فيما قتل الراكبون الوهابيون في المدينة كلّ من صادفوه في طريقهم و نهبوا جميع المنازل دون رحمة ، و لم يستثنوا أي إنسان خلال عملية القتل الوحشية بغضّ النظر عن عمره أو جنسه ، و قد أحصى البعض عدد الضحايا بما يناهز الألف ، في حين أكد آخرون إنه يتجاوز الخمسة الآلاف (حسبما يقول لونگريك) . و مهما كان من أمر ، فلم يهنأ عبد العزيز بن سعود بعد ارتكاب جريمته طويلاً ، فقد تمكن أحد الأبطال من أبناء مدينة العمارة من الوصول إلى عاصمة آل سعود في دولتهم الزائلة الأولى ” الدرعية ” و قتل عبد العزيز بن سعود في أحد أيام رجب من عام 1218 هجري ( 1804 م ) مقتصّاً بذلك لدماء آلاف الشهداء في كربلاء و غيرها من الحواضر و القرى العراقية الذين راحوا ضحية هجمات الوهابيين العدوانية .و هذه النقطة بالذات ينبغي أن لا تغيب عن أذهان العراقيين من أتباع أهل البيت و غيرهم . فإلى جانب ضرورة استمرار الحيطة و الحذر إزاء دسائس العدوّ الوهابي بمختلف أطرافه ( السعودية ، داعش إلى آخره ) على الدوام و 24 ساعة في السبعة الأيام ، عليهم أيضاً أن يقتصّوا لدماء الشهداء و الضحايا في أسرع وقت ممكن .









