مهند الساعدي
مع ان احمد بن حَنْبَل فَقِيه عراقي بغدادي ، والمدرسة الحنبلية مدرسة فقهية بغدادية النشأة بامتياز ، الا ان بغداد العباسية الرسمية ، والمجتمع البغدادي ، ضاق بعنف هذه الحركة ، وميلها للتعصب والفتن ، وكثرة اثارة الشغب ، من خلال مناكفتها للحنفية و الشافعية اللتين سبقتاها في بغداد ، او للأشاعرة ،او للشيعة في محلة الكرخ ، او من خلال اثارة الشغب ضد المظاهر المدنية في بغداد التي اضطرت الخليفة الراضي بالله بفرض منع التجمع عليهم ، وان لا يجتمع منهم نفسان في موضع واحد ، وذلك لكثرة تشرطهم في مهام الحسبة ( ولاية الفقيه الحسبية ) وإيقاعهم الفتن المتوالية .
ومع ان المؤرخين مثل ابن خلدون وغيره ، قد طرحوا عدة تفسيرات لانحسار الحنبلية ، وعدم انتشارها ، كتوقفهم عن الاجتهاد ، او عدم توليهم القضاء كما طرح ذلك بعض فقهاء الحنبلية انفسهم ، الا ان الموقف الأهم بقي هو موقف بغداد الرسمي والمجتمعي من هذه الحركة التي لم تتحرك من بغداد إلا في القرن الرابع ، وعجزت عن ان تكون مذهباً للعامة في أي من البلاد الاسلامية ، او الأقاليم التي حكمها الاسلام
لقد بقيت الراديكالية الحنبلية ، وما فرخته من تيمية ، تتربص لقرون طويلة ، وهي تعاني من إقصاء العباسيين ومجتمعهم الحنفي او الشافعي او الجعفري في الفروع والأشعري في الأصول ، او الشيعي العبدي في مصر ، او الأيوبي الشافعي في مصر ايضاً ، او المالكي في معضم دول الخليج . حتى جاءتها الفرصة التاريخية نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر من خلال تحالف اقامه الداعية الحنبلي المتشدد( محمد بن عبد الوهاب )مع ( آل سعود ) الذي أتاح من خلال العقد السياسي المبرم بينهما ، تسيد المذهب الحنبلي في نجد اولا ، وفي تهامة والحجاز لاحقاً .
لقد كانت الحنبلية تفشل كل مرة في العبور شمالاً الى العراق ، إذ طرد مؤسس الوهابية من البصرة ، كما سبق ان طردت الحنبلية ذاتها من بغداد .
وفي ظل الصراع الطائفي في العراق ، الذي هو صراع على السلطة ، ماضياً وحاضراً ، دخلت السلفية الجهادية كحركة ارهابية عالمية لا يقودها العراقيون ، لكن العراقيين السنة التحقوا بها ، حين وجد بعضهم انها الممثل الاقوى والأعنف ، لحمل مشروع السلطة الطائفية مرة اخرى . فلم يكن اعتناق سنة العراق للسلفية الجهادية الوهابية الحنبلية عقائدياً ، بقدر كونه خياراً سياسيا ًيهدف الى استعادة السلطة المفقودة . وقد بسطنا الحديث عن ذلك في مقالنا المطول ( سنة العراق : دمار في سبيل البعث ) .
لقد تدرب المجتمع العراقي على التعايش الديني والمذهبي والطائفي كما لم يتدرب اي مجتمع آخر ، وتجاورت فيه المذاهب ، والمدارس الفقهية ، في نشأتها ، واستمراريتها ، في البصرة ، والكوفة ، وبغداد ، وفي ذات الوقت لم يتوقف الصراع الطائفي او المذهبي على السلطة ، فكان المجتمع يتفرج احياناً كثيرة ، على الحروب العثمانية الصفوية ، وما ان تضع الحرب أوزارها ، حتى يعود المجتمع العراقي ليمارس حالة التعايش القدري ، الذي ظل يمثل الطابع الابرز في تكوينه التاريخي الطويل .
لقد سَعُدت التجربة العراقية وهي تنفي التطرّف والتكفير والعنف والتشدد الحنبلي .
وسَعُدت مرة اخرى ، وهي تنأى بنفسها بعيداً ، عن العلمانية اليعقوبية الفرنسية ، او الوليد الأوربي الاخر المتأثر بها الذي مثلته الراديكالية العلمانية البلشفية في روسيا السوفيتية .
لقد عانى المجتمع العربي ومحيطه الاسلامي الأكثر فعالية المتمثل في تركيا وإيران ، من أشكالية العلاقة بين الدين والدولة ، ومنذ تأسيس الدولة الوطنية الحديثة ، ظلت هذه العلاقة محل اخذ ورد طويلين ، ولم تفلح الدولة في الاهتداء الى مقاربة فكرية وفلسفية ، وقانونية ، مبكرة ، تحتوي هذا التوتر ، وتوفر له المجال المناسب للتفاعل ، والتكامل ، والتخاطب الناجح الذي يؤسس لعلاقة متوازنة تحفظ للدين مجاله الشخصي وللدولة مجالها العام .
وقد ادى هذا الخلل البنيوي الخطير الى ظهور ثلاثة نماذج لهذه العلاقة المأزومة بين الدين والدولة في المجتمع الاسلامي هي :
نموذج إقصاء الدين :
وهو النموذج الذي استلهم التجربتين العلمانيتين الأشد تطرفاً في الموقف من الدين ( الفرنسية و الروسية ) وتعد تركيا الاتاتوركية ، وإيران في عهد رضا بهلوي ، وتونس في عهد بورقيبة ، ابرز ثلاثة تجارب في الدولة الاسلامية تبنت إقصاء الدين عن المجال العام والتضييق عليه في المجال الخاص .
نموذج التهادن والتعاقد :
وابرز أمثلته هو نظام المملكة العربية السعودية ، والنظام الملكي المغربي الى حد ما .
النموذج الاهمالي السائب :
وهو النموذج الذي اهتم ببناء الدولة دون التعرض المباشر لشكل العلاقة مع الدين ، واختط لنفسه منهج التدخل لتصحيح شكل هذه العلاقة وتكييفه مع التحولات السياسية ، وطبيعة التداخل المستمر بين هذين المجالين .
وهذا ما ظهر بشكل جلي في كل من العراق ومصر ، وبالتحديد في نموذج اصطدام فيصل الاول مع الفقهاء الشيعة ، ونفيهم ثم عودتهم ، ونموذج تحالف الضباط الأحرار في مصر مع الاخوان ثم فك التحالف الذي اتخذ اشكالاً عنيفة في بعض مظاهره وتجلياته عند الطرفين .
لم تفلح هذه النماذج الثلاثة في التاسيس لعلاقة مستقرة ، ومفهومة الخطاب بين الاثنين ، وقد أدت الى استنزاف مشروع الدولة الحديث ، وإنهاكه سياسيا ًواقتصادياً ، من خلال الصراع المحتدم والعنيف بين الدين والدولة . فآلت نتيجة الصراع بين ايران العلمانية وقم ومراجع الدين الى اندلاع الثورة وقيام نظام الجمهورية الاسلامية على أنقاض نظام العلمانية البهلوية . وفي تركيا ظهر العدالة والتنمية الاسلامي ، وفي تونس ظهر النهضة الاسلامي . وكما كانت هذه العلمانيات ترسي معالم الدولة القانونية ، وتتحرش بالمظاهر الاسلامية ، جاءت الأنظمة الاسلامية لتقوم بإرساء معالمها الاسلامية ، والتحرش من جهتها كذلك بالمظاهر العلمانية والمدنية في الدولة .
اما في العراق ومصر ، فقد ظلت العلاقة محكومة بالمتغير السياسي ، وطبيعة السلطة والنظام وقواعد الصراع او التداول التي تحكمها .
ففي مصر شكل قيام ثورة 25 يناير التي أطاحت بالنظام ، والثورة المضادة التي أطاحت بالرئيس الاخواني المنتخب محمد مرسي ، شكلاً من أشكال استمرار الصراع بين الديني والعلماني الذي يفتقر الى أسس فلسفية وسياسية واضحة .
اما في العراق ، فقد استعاد الاعتدال الديني العراقي نفسه على يد فقهاء النجف والمراجع الشيعة ، الذين رفضوا نظام ولاية الفقيه المطلقة لصالح نظرية فقهية اخرى سبق وان أبدعها الشيخ النائيني في كتابه المهم ( تنبيه الأمة ونزيه الملة ) القائمة على تفويض الحكومة العادلة في إدارة شؤون الأمة والدولة .
سبق ذلك بثمانين سنة اختيار العراق الملكي الحديث نموذج العلمانية المحايدة التي تبنتها الدول الغربية البروتستاتنية على الأغلب مثل بريطانيا وألمانيا وهولندا والولايات المتحدة الامريكية .
وفي حين لم يكن للعلمانية اليعقوبية موطئ قدم في العراق ، بسبب عدم خضوع العراق للاحتلال الفرنسي المباشر او غير المباشر ، وبالتالي بقاء العراق خارج المجال الجيوبلتيكي للفرانكفونية ، فان التحدي الأكبر كان متمثلاً بالمشروع العلماني البلشفي القائم على إقصاء الدين والذي كانت تمثله الحركة الشيوعية العراقية .
لقد اتفقت عدة أنظمة متعاقبة – الملكية والقومية العربية والبعثية – والتحق بهم التيار الاسلامي من موقع المعارضة وليس من موقع السلطة ، على عدم السماح لهذا التيار بالصعود الى السلطة وإدارة الدولة إدارة ( علمانية اصولية ) ستقود لاحقاً الى تفجر صراع مرير مع الدين من جهة ، ومع المنظومة السياسية التي كانت الدولة العراقية تنتمي اليها محلياً واقليمياً ودولياً ، من جهة اخرى .
ثمة نوعان من العلمانية سيقدر للعراق ان يتمسك بأحدهما وينفي الاخر .
كما ثمة نوعان من الحركات الاسلامية ، سيقدر للعراق ان يتمسك باكثرهما عقلانية ، وحداثة ، ومعاصرة ، وقدرة على استيعاب متغيرات المجتمع والسياسة والاقتصاد .
لقد صبغت الثورة الفرنسية ، بعلميتها وعلمانيتها ، وعنفها الثوري ، الحداثة التي مثلتها بصبغة الاصولية العلمانية ، وهذه بحد ذاتها تصير العلمانية فلسفة في العقيدة والسلوك الشخصي ، وليس نظرة محايدة للدولة ، تترك للدين مجاله وللدولة مجالها الاخر . انها العلمانية التي تقصي الدين عن مجال الدولة وتحاصره في مجال المجتمع ، والتي ابتدأت بمحاصرة الكنيسة ورجال الدين وانتهت بحربها ضد مظاهر عامة مثل الحجاب والبكيني والتدخل الفض في التعليم .
لقد افضت العلمانيات الاصولية الى انتاج نقائضها ، كما كانت هي في بدايتها تخوض الصراع مع ما عدته نقيضها الحتمي الاول المتمثل بالدِّين .
يترسخ الاعتقاد الان ، ان الاعتدال الذي تمثله المدرسة الفقهية النجفية ، مضافاً الى المحافظة على الاعتدال العلماني العراقي الذي انتهجته الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها ، يمثلان عاملين مساعدين على تخطي مرحلة الصراع على السلطة والاتجاه لتحديد هوية الدولة .
تتجه الدولة العراقية الى نبذ الأصوليات ، والتمسك الاستراتيجي البعيد المدى بالاعتدال والوسطية والحداثة المنتجة .









