ثقافية

رمزية الصراع الكوني في قصة "الهروب الى شارع الهرم" لخضير ميري

محمود محمد مكي

 

 

 

 

 

 

“الهروب إلى شارع الهرم” قصة قصيرة تنتمي إلى العربية لغة وإلى القاهرة مكانا, ولكن تظللها مأساة الاحتلال الأمريكي للعراق, ولذا تبدو ثيمتها الأساسية الهم العراقي ولكن سدتها ولحمتها الشأن الانسانى أينما وجد. وهى ثانى أربع قصص تتكون منها المجموعة القصصية للكاتب العراقى خضير ميرى المعنونة ” كيس أسود مخصص للأزبال”.

 

وهى تتناول مأساة شاب عراقي فر من جحيم الاحتلال الامريكى فى وطنه فى ارض الرافدين, الأمر الذي أخرجه منه خائفا يترقب فولى وجهه شطرالقاهرة, وفيها تدوراحداث القصة أو بمعنى أخر تكرر مأساة احتلال العراق مرة أخرى مع هذا الشاب. ولكن المأساة هذه المرة متجسدة على المستوى الفردى, وإن لخصت القصة المأساة الكبرى للاحتلال بكل قسوته وبربريته.

 

فماهو موقفك على المستوى الانسانى لو انك وجدت نفسك وجها لوجه مع قاتل ابيك أو أخيك ؟ ولكن ليس ذلك فحسب فانت تجد نفسك انك فى مواجهة من اغتصب وطنك وشرد أهلك وسرق مفتاح دارك وكذب على الدنيا بانه ما جاء الا لحمايتك. هذا بالضبط ما حدث مع بطل قصة “الهروب الى شارع الهرم” للقاص العراقى خضير ميرى.

 

فمفتتح القصة مشهد رمزي شديد التكثيف وبالغ الدلالة يلخص المأساة: مأساة الإنسان المعاصر فنرى البطل وهو الشاب العراقي الفارإلى القاهرة من جحيم الاحتلال – مع الأمريكي كارل باف وزوجه من اصل اسبانى دونى لاباسيرا فى أحد مطاعم حى الحسين القاهرى المعروف حيث يتناول الثلاثة عشاءهم “كوارع” وهو وجبة شهيرة في مصر. ويصل الأمر النقاش بين الثلاثة من التلميح الى الرمزية ثم الى حد يقترب من التصريح المأساوي حين يسال كارل باف :”هل يسكن هنا رأس مذبوح؟ (ص 53). ويردف كارل باف قائلا حين تطلب- بضم التاء – لهم الكوارع بان: “الكوارع هى اكلة مفضلة لأكلي لحوم البشر هه هه” ( ص 54). ولكن بعد الانتهاء من تناول العشاء يذهب الثلاثة الى الزمالك حيث تنضم لهم فتاة جميلة تمثل الأنوثة والشباب والجمال والرغبة فهى تملك كل مقومات الإغراء وهى مطمع لكل طامع وهى المستقبل: اسمها ديتا ابنة لعراقي كان يعمل مترجما للامريكان فى العراق وكان متزوجا من الاسبانية دونى لاباسيرا. ونعرف أيضا إن والدها قبل أن يموت أوصى بطل القصة ان يهتم بابنته ديتا. ولكن المفارقة ان ديتا تمثل العراق نفسه. وتعمل ديتا, صحافية وكاتبة بالاسبانية ولكنها لا تعرف من العربية الا بعض كلمات قلائل, تكره ديتا زوج أمها كرها يصل إلى حد المقت بل ان هذا الكره يمتد الى احتقارأمها نفسها. ويدرك القارىء من خلال السياق ان ثمة علاقة حب وائتلاف بين ديتا وبين البطل, الشاب العراقي؛ ولكن المتصابي الأمريكي كارل باف زوج أمها الذي يصف نفسه بانه عالم ‘آثار ولكن ديتا – ربيبته (ابنة زوجته) تتهمه بالكذب وتقول عنه إنه ماهو إلا عامل آثار. يبدأ الصراع مبكرا من أول مشهد في القصة حين يحاول كارل هذا ان يتملك الفتاة الجميلة ديتا مثلما تملك أمها.

 

يجمع المفتتح الكوزموبوليتانى في الحسين بين الثلاثة باف الأمريكي و دوني لاباسيرا الاسبانية من اصل موريسكى كما تزعم هي, أو أنها غجرية من البوسنة باعت نفسها لكل من يدفع كما تصفها ابنتها ديتا والشاب العراقى. وهو شاب خبر بغداد وباراتها ولياليها وملاهيها لأنه عمل في احد ملاهيها, وجاء القاهرة فعركها وعرف حواريها و باراتها كأنها بغداد أخرى. ولكن القاص آثر أن يكون البطل غفلا (أي دون أسم ).

 

نلتقي الأربعة: البطل و ديتا و أمها دونى لاباسيرا وزوج أمها الأمريكي كارل باف .يذهب الأربعة الى أحد الملاهى شارع الهرم. وينتقل معهم الصراع ليبلغ ذروته حتى وهم فى البار, ولكنه صراع بين صاحب الحق وبين من يريد أن يغتصبه :أي أن الصراع ليس بين حق وحق أو باطل وباطل ولكنه واضح جلى لأنه بين صاحب الحق والمغتصب. الشاب العراقى هو صاحب الحق فى ديتا أو بمعنى أخر هي صاحبة الحق فيه أو كلاهما صاحب الحق فى الآخر لان كلاهما يحب الأخر فهي تحبه وتمنحه نفسها, اما زوج أمها العجوز الأمريكي المتصابي فهي تحتقره لأنه يريد أن يتملكها. ثمة تواز في البناء بين الاحتلال الأمريكي للعراق أرضا وشعبا وبين المقاومة الشريفة على أرض الواقع على طرف, و بين كارل الأمريكي والبطل – وهو الشاب العراقي على طرف أخر.

 

تنتهي القصة كما يفهم من السياق بان يقتل البطل العراقى الوغد الامريكى كارل الذى يحاول ان يستولى منه على حبيبته – ديتا. وحادثة القتل التي وقعت في البار الذي تواجد فيه الأربعة رمزية أكثر منها حقيقية. فالأمريكي يمثل الاحتلال الأمريكي للعراق بكل ما فيه من كذب وخداع وجشع وقبح. أما العراق فهو هو متمثل في الجميلة الفاتنة ديتا والمقاومة كانت حاضرة فى شخص البطل إلذي لم يسمه الكاتب وكأنه أراد بذلك أن يرمز به إلى كل رجال المقاومة من الطيف الوطني في العراق.

 

ولكن بقيت إشارة أن شخصيات القصة كلها رسمت بعناية فنية رائعة حتى حودى (حمودى) سواق التاكسي الذي أخذهم إلى الملهى الليلي في شارع الهرم. والقصة تكون متكاملة البناء والحبكة فقصة الصراع بين الشخصيات تاخذ ابعادا أخرى أكثر مأساوية فقد اكتسى الصراع بإبعاد وجودية وحياتية حيث تبلغ ذروتها بين الشاب العراقى والأمريكي المتصابي, كما إن الصراع بينهما يأخذ شكل المعادل الموضوعى للاحتلال الامريكى للعراق والمقاومة. في حين إن ديتا تمثل العراق فى خصوبته وجماله وعطائه, وهى ترفض كل محاولات زوج امها الامريكى وتفضل عليه الشاب العراقى الذى يبادلها نفس المشاعر.إما على مستوى اللغة فنجد إن الكاتب أجاد في استخدام اللغة الخاصة به وبلغ القمة فيها أداء و تصويرا, فلغة القصة القصيرة – إن جاز إن نقول إن للقصة القصيرة لغة – هى الايجاز والاقتصاد وعلى ذلك انك لن تستطيع حذف كلمة واحدة من القصة وتضع مكانها أخرى ،لأنها جاءت مناسبة تماما ولو فعلت لاختل المعنى. ومثال ذلك ان المتصابي الأمريكي كارل باف زوج أم ديتا الذي يصف نفسه بانه عالم اثار فى حين ديتا – وهى ربيبته (ابنة زوجته) تتهمه بالكذب وتقول عنه انه ماهو عامل اثار, فنرى ان الكاتب يؤثر ان يستخدم اللفظين: عالم وعامل مع ما بينهما من تناقض حين تختلف فيهما ترتيب الحروف وتحديدا حرف الميم, وهى أمر محمود فى كتابة القصة أن يستخدم الكتاب أقل عدد من المفردات دون زيادة أو نقصان وقد أجاد خضير ميرى في اللعب على الاستفادة من كل مخزون المفردات المعجمى والدلالى فى هذه القصة خاصة والمجموعة ككل. كما إنه طعم القصة بكلمات خاصة باللهجة العراقية مع أنها فصيحة ولكنها امتلكت الخصوصية العراقية.

 

 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان