نعيم عبد مهلهل
لَا أَعْرِف أَن قَرَأ مُلُوْك الْأَرْض وَرُؤَسَاء جُمْهُورِّيَاتِهَا قِصَّة الْبَطَل الْأُسْطُورِي جِلْجَامِش. وَالَّتِي تَتَمَحْوَر حَوْل هَاجِس وَاحِد هُو أَن الْخُلُوْد لَيْس مُمْكِنَا لِلْبَشَر، الْآَلِهَة وَحْدَهَا مَن يُحِق لَهَا أَن تُمْسِك الْخُلُوْد، وَمَادَام الْآَلِهَة الْيَوْم قَد غَادَرَت مَعَاطِفَهَا الْأُسْطُورِيَّة وَصَارَت فِي خَبَر كَان، فَالَرَّب الْوَاحِد فِي عُلَاه الَّتِي لَا تُرَى وَلَكِنَّنَا نُحِسُّهَا فِي مُجُودَاتِه الْكَوْنِيَّة، وَحْدَه الْخَالِق وَالْبَاقِي،وَعَدَّاه فَمَصِيْرُه الْزَّوَال، مِن اكْبَر كَوْكَب فِي الْفَضَاء الْفَسِيح وَالَى اصْغَر دَابَّة عَلَى الْأَرْض. لَقَد كَانَت مَلْحَمَة جِلْجَامِش الَّتِي دُوْنَهَا الْعِرَاقِي الْقَدِيْم (مِن أَهَالِي أُوْرُك) بَضْعَة أَمْيَال عَن مَدِيْنَة الْسَّمَاوَة الَّتِي خَلَدِهَا مَرَّة الْشَّاعِر الْعِرَاقِي سَعْدِي يُوْسُف فِي هَاجِس حِلْمِه السِّيَاسِي أَيَّام سُجِن (نُقْرَة الْسَلْمَان) بِقَوْلِه : تَوَهّمَت أَن نَخْل الْسَّمَاوَة نَخْل الْسَّمَاوَات .. حَتَّى حَسِبْتُك جَارِيَتِي … وَذَات نَخْل الْمَدِيْنَة خُلْدِه الْمُطْرِب الْعِرَاقِي حُسَيْن نِعْمَة بِأُغْنِيَتِه الْجَمِيْلَة (نَخْل الْسَّمَاوَة يْكُول ..طَرْتَنِي سَمُرَة)… مِن تِلْك الْأَفْيَاء الَّتِي تَرْتَدِي ظَل الْفُرَات وَبَرِيق رَمْل الْصَّحْرَاء، مَشَى جِلْجَامِش رَاكِبا أَلْف قَاطِرَة وَطَائِرَة وَمَرْكَبَة فَضَاء، فَقَط لِيَجِد مَا يَعْتَقِدُه عُشْبَا حِيْن يَتَنَاوَلُه الْإِنْسَان بَعْد غَلْيَه فِي إِبْرِيْق الْشَّاي يَحْصُل عَلَى الْخُلُود وَلَن يُفَزِّع مُرَّة أُخْرَى بِمَنْظَر الْمَوْت الَّذِي رَآَه عِنَدَمّا كَان يَنْخَر الدُّوْد جَسَد خِلَّه وَصَدِيْقُه انْكِيْدو. وَعِنْدَمَا حَصَل عَلَيْه فَقْدِه بِقَيْلُوُلَة وَغَفْوَة وَانْتَهَى إِلَى قَنَاعَة أَن الْخُلُود لَيْس مَكْتُوْبا لِلْبَشَر مِن خِلَال عُشْب أَو عَقَار، بَل الْخُلُوْد فِي مَا يُبْقِي الْإِنْسَان مِن أَعْمَال رَائِعَة تُخَلِّدَه، وَذَلِك هُو الْخُلُوْد، وَعَلَيْه كَان عَلَى الْأَبَاطِرَة وَالْأَثْرِيَاء أَن يُدْرِكُوْا إِن لَا خُلُوْد مَع مَال أَو مَنْصِب،وَان الْتِّيْجَان سَوْف لَن تُطِيْل بِأَعُمَارِهُم ولْيُفَكُرُوا فِي رَاحَة الْجَسَد وَالْضَّمِيْر وَالسِّيَرَة الْحَسَنَة فَأَن اكْثَر الَّذِيْن كَانُوْا يَعْتَقِدُوْن بِأَن الْجَاه وَالْجَبَرُوْت وَالْقُوَّة وَالْمُنَصَّب سَيِقِيْهُم مِن كُل شَيْء وَفِي الْنِّهَايَة انْتَهَى بِهِم الْأَمْر إِلَى رَصَاصَة اغْتِيَال أَو مَرَض خَبِيْث أَو حَبْل مِشْنَقَة،وَعَلَيْه فَأَن دّرْس جِلْجَامِش يُعْطِيَنَا الْقَنَاعَة أَن خُلُوْد الْمَنْصِب لَا يَدُوْم وَعَلَيْنَا أَن نَقْتَنِع بِدُوُرْة الْحَيَاة وَاحْكَام الْعُمْر وْنِعْطَي عَصَا الْسِّبَاق إِلَى جِيْل آَخَر يُكَمِّل الْمَسِيرَة آَخِذِين فِي نَظَر الِاعْتِبَار كَلِمَة الْحَكِيْم كُوَنفْشَيُوس .مَتَى هَرِمْت الْشَّجَرَة فَأَن جَل إِحْسَاسَهَا فِيْمَا يُنْبِت قُرْب جُذُوْرُهَا،وَهُو يَقْصِد الْنَبْتَة الْجَدِيْدَة. كُلَّمَا أُعِيْد قِرَاءَة مَلْحَمَة جِلْجَامِش بِالْتَّرْجَمَة الْرَّائِعَة لِلْعَلامَة الْمَرْحُوْم (طَه بِاقِر) أَتَذَكَّر مُلُوْك الْأُمَّة وَرُؤَسَاء جُمْهُورِّيَاتِهَا وَأُحْصِي مُعَدَّلَات أَعْمَارِهِم فَاجَدَهَا عِنْد تُخُوْم الْسَّبْعِيْن، فَأَتَساءَل مَا لِذِي يَدْفَعُهُم إِلَى أَن يُمْسِكُوْا (عُرْوَة) بَاب الْحُكْم، لَقَد نَالُوْا مِن الْمَال وَالْجَاه وَالْخِطَابَات و مَا نَالُوْا مِن الْهَزَائِم مَع إِسْرَائِيْل، لِمَاذَا لَا يَتْرُكُوْا لِلْشَّبَاب وَالْآخِرِيْن مُهِمَّة إِكْمَال الْشَّوْط،وَيَجْلِسُوا بَقِيَّة أَعْمَارَهُم فِي مُنْتَجَعَاتِهُم الْخَاصَّة الَّتِي اشْتَرَوْهَا ِمالهم الْحَلَال وَيَكْتُبُوْا مُذَكِّرَاتِهِم الَّتِي هِي حَتْما مُفِيْدَة وَنَافِعَة لِمَن يَأْتِي مِن الْأَجْيَال لِيَتَعَلَّمُوْا مِنْهَا أَسْرَار أَزْمِنَة كَانَت مُضْطَرِبَة وَصَاخِبَة وَّعَجِيْبَة. أَنَا لَأُرِيد أَن أُحْصِي مِن اسْتَحَق عَلَيْه الْتَّقَاعُد حَتَّى وَفْق الْقَانُوْن الْمَدَنِي لِبِلَادِه، لَأَنّنِي أَعْرِفُهُم فَلَقَد مُنِحُوا أَنْفُسِهِم الِاسْتِثْنَاء وَالْعِصْمَة، وَانْهَم فِي اغْلِبْهُم لَم يَقْرَاوا مَلْحَمَة جِلْجَامِش وَلَا يُرِيْد أَن يَقْرَاوُهَا، وَفِي خَاطَرْهُم إِن الْجَمَاهِيْر مُحْتَاجَة إِلَيْهِم. وَمَع كُل يَوْم حَاجَة لرُمُوَزِنا الْمُبَجَّلَة . تَحْتَرِق غَزَّة .وَتُفَجِّر شَوَارِع بَغْدَاد بِمُخْفْخَات الْإِرْهَاب، وَتُنَشِّط تِجَارَة الْقَات فِي الْيَمَن السَّعِيْد …وَتُبْنَى الْقَوَاعِد الْأَجْنَبِيَّة عَلَى الْتُّرَاب الْوَطَنِي فِي اكْثَر مِن بَلَد عَرَبِي… وَلَكِن ذَات يَوْم سَتَأْتِي لَحْظَة إِغْمَاض الْجَفْن وَسَيَرَى الْحَاكِم وَالْمَحْكُوْم أَدَق الْتَّفَاصِيْل عَن مَعْنَى وَحِكْمَة أُسْطُوْرَة جَلْجَامِش….









