اراء وأفكار

إكراما للشهداء

علي شايع 

 

قديماً، وقبل أن تمتلئ البلاد بهذا الكم الهائل من الشهداء والضحايا، في الموت العشوائي الذي خلفته الديكتاتورية، وقبل أن تضجّ الحواضر بهتافات الخلود لمن يسقطون تباعاً في ساحات المعارك دفاعاً عن الوطن، ذُكر لأبي العلاء المعري بيت شعري حزين قال فيه:

 خفف الوطء ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد

وللحق لعلّ الحزن يتضاعف لتصوّر مشهد الشهداء وهم يتشكلون بتراب الوطن. وما أقساه من جحود لحظة لا يكرّم الشهداء أو لا يأبه بتاريخهم، فمن يعاين بضمير حي تاريخ مدينة ما، يخبره أهلها إن بطلا ربط نفسه إلى حديد جسرها وألقى بالمفتاح نحو النهر، ليصمد وسلاحه في ربيع1991، بمواجهة طغيان زاحف لقمع المدينة.. سيتساءل: كيف للتأريخ أن لا يوثق تلك البطولة؟. رحل ذلك الشهيد، وبقيت حكايته راسخة في ذاكرة مدينته وأهلها، وهم يتداولون بفخر حديث تلك البطولة ومثيلاتها مما سطّره الشهداء الأبطال من ملاحم خالدة تستحق التثمين والعرفان والتسجيل، لتبقى ماثلة وحيّة بمواجهة التاريخ. لكن مثل هذا الاستذكار لا يتم في الغالب وفق ما يرتجى، فالأمل بانجاز تمثال أو نصب لشهيد بطل مضى يقاتل قاتليه حتى الرمق الأخير، ظلّ حلماً لم يفهمه كلّ من مرّ من المسؤولين على إدارة شؤون تلك المدينة. ولعلّ فناناً من غمار مبدعيها سينجز ذلك النصب، بديلاً عن أي آخر طارئ يشيّد على عجل دون أن يمثل بصدق وفنية تلك البطولة. قبل أيام دعا السيد السيستاني عبر ممثليه إلى أهمية تكريس مسيرة إحياء الأربعينية للاحتفاء بالشهداء، واستذكار بطولاتهم ودفاعهم في معارك المواجهة مع الإرهاب، وبيّن أهمية التكريم العادل لمن تفانوا في التضحيات. كلمات السيد السيستاني وما أراده من تكريم لا يمكن أن يختصرها احتفاء عابر يتمثل بصور ومنشورات تعلّق في الجزرات الوسطية للطرق، يظهر فيها أسم الجهة أو الحركة التي كان الشهيد ينتمي لها، أكبر من صورة الشهيد نفسه، وبتفاصيل من التغالب المحزن التي تفقد الشهيد والمناسبة دلالة اللحظة الخالدة. ولا يمكن أن تختزل توجيهات المرجعية بفوضى وتيه دون جهة تنظّم المسألة وتشرف على إنجازها، فلا فرق في واقع الأمر بين الشهداء من حيث التضحية؛ لتكون صورة أحدهم أكبر من الأخرى، أو أن يُتخذ لها مكان أكثر علواً..والى آخره مما يمكن اعتباره امتيازاً أو تشريفاً لا تحدده سوى المصادفة وغياب التنظيم المهيب. وربما سيكون من بين أهم تفاصيل تكريم هؤلاء الشهداء واستذكارهم، متابعة قضايا نيل استحقاقات عوائلهم المادية وإنجاز معاملاتهم التقاعدية بأوقات قياسية وإدخالهم في سعة إدارية ترفع عنهم مشقة الروتين والمتابعة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان