اراء وأفكار

ترامب أصبح رئيسا.. والعرب يهرجون

بوجمعة عليوات- الجزائر

 

 أيها العالم المتخلف…أيها الرجل المنتمي إلى الدول السائرة في طريق النمو، لم كل هذا الكلام والتهريج في وسائل الإعلام، والتحليلات العشوائية داخل البلاطوهات؟ لقد ملأتم صفحات التواصل الاجتماعي بالتفاهمات التي لا تفقر ولا تغني من جوع، فضلا عن أنها لا منطق لها ولا أساس… فكروا جيدا قبل التهريج ولا تخلطوا بين السرعة والتسرع في التحليل، فلتتأكدوا من شيء أيها العرب المسلمين أن السياسة الأمريكية لن تتغير مهما تغير الرؤساء والوزراء فيها…وان انتخاب ترامب اليوم كرئيس الـ 45 لهذه القوة العظمى لن يغير من المعادلة المتعمدة شيئا، وهذا ببساطة لأن الرئيس المنتخب في ذلك البلد ليس هو صانع القرار، بل طالما كان على شاكلة الناطق الرسمي والمنفذ لقرارات وسياسات درست وخرجت من مؤسسات وأكاديميات موجودة منذ قرن من الزمن، أين تأسس أول مركز أبحاث سنة 1910 والذي كرس فقط للسياسة الخارجية والتحقيق في أسباب الحروب، وتشجيع الحلول السلمية للنزعات، والذي زاد شأنا –المركز- بمجرد وصول هاري تورمان إلى الحكم سنة 1945ـ حيث برزت موجة ثانية من مؤسسات الرأي نتيجة أخذ الولايات على عاتقها مهام دولة عظمى، حيث أصبحت الدولة المدافعة على العالم الحر بمجرد ظهور بوادر الحرب الباردة مع السوفيات، لتتلقى هذه المؤسسات دعما مباشرا من الحكومة الأمريكية التي خصصت أموالا طائلة للعلماء والباحثين العاملين في مجال الدفاع، كما وساهمت هذه الأكاديميات في تحليل الأنظمة ونظرية وضع الخطط الحربية لمواجهة جميع الظروف المحتملة، وكذا إستراتيجية المساومة، لتعرف تطورات عديدة مع مرور الوقت، حيث أن هذه الأكاديميات أو ما يطلق عليها مستودع الفكر -{ مؤسسات الرأي والفكر}think tanks– تعتبر المصدر المباشر لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية سواء داخل أراضيها أو خارجها. إن فوز دونالد ترومب بالانتخابات هو واقع مدهش فقط للعالم العربي المسكين  أما داخل البيت الأبيض والمساهمين الأجانب من لوبيات صهيونية ماسونية كانت تدرك ذلك مسبقا وبالنسبة لحضرتها -مؤسسات الرأي والفكر-  تكتيك روتيني مدروس جيدا مدعم بلمسات وروتشات  ظاهرها جمال وباطنها كله خبث، وهذا حسب ما يقتضيه الواقع ومستجدات السياسة الدولية، فداخل العلبة المجيشة بعلماء وباحثين من كل العرقيات والأديان ومن كل الجنسيات والألوان، لقد شاهدوا من هذا الرجل الأنبوب المناسب والصريح  لتمرير كل هذه المخططات على فوهة فمه المدججة بالتنكيل اللفظي العدواني، وجدار صلب تسند إليه  كل  هذه القرارات التي سوف تعلن وتتخذ لا محال في القادم من الأيام وعلى أقصى تقدير بداية سنة 2017 ، ولكن الأكيد من كل هذا وحسب كل المتغيرات في الساحة الدولية، والمعطيات الموجودة والسياسات الأخيرة التي تبنتها الفواعل الدولية بالشرق الأوسط الذي بيع ليكون ملعب شطرنج للتصفيات المؤهلة للحرب العالمية الثالثة بين الأمريكان والروس وحلفائهم من القوى الإقليمية. إن منطقة الشرق الأوسط اليوم أصبحت محط أنظار القوى الكبرى وهذا لما يسخر به  من ثروات طبعيه هائلة، فإن ما يطلق عليه اليوم في الجيوبوليتيك بقوس الأزمات تحول إلى الجزيرة العالمية حيث أن من يسيطر عليها سوف يسطر على العالم لا محال، والمتمعن في الأحداث الأخيرة التي وقعت بين أشخاص القانون الدولي سوف يلاحظ أن الوضع القائم كان يستوجب على الولايات تبني هذه الإستراتجية وتغير أوراق اللعب داخل هذا المسرح والتي رأت في دونالد ترامب الشخص المناسب لتنفيذ سياساتها القذرة في الشرق الأوسط، وهذا لعدة أسباب منها: 

– عودة روسيا اللافت والقوي إلى مسرح العلاقات الدولية, وذلك بمحاولتها السيطرة كل المضايق البحرية في الشرق الأوسط { نظرية سيادة القوة البحرية } وأحسن دليل كل ما يحدث حاليا بالجهة الساحلية لسوريا بكل من مدينة اللادقية وطرطوس أين حولت روسيا نظام صواريخ اس 300 إلى هاتين القاعدتين, فضلا عن المناورات التي يقوم بها الأسطول البحري الروسي في البحر الأبيض المتوسط وتحرشها بالولايات المتحدة الأمريكية.

– سعي تركيا إلي إحياء الخلافة العثمانية على يد السلطان “أردوغان” وذلك من خلال تدخله في شؤون الدول المجاورة بكل من سوريا والعراق ومصر،حيث أظهرت دراسة أعدها مركز الدراسات الأمنية والإستراتيجية الأمريكي “ستراتفور”، حول الأحداث المتوقعة في عام 2016، أن كل الأنظار تتجه نحو تركيا، وأنها ستكون اللاعب الأكبر في العديد من القضايا في المنطقة، كما وأشارت أيضا إلى أن تركيا ستعمل على تنفيذ مشاريع في شرق البحر الأبيض المتوسط من أجل توفير احتياجاتها من الطاقة، وهو الشيء الذي يشكل عائقا دون أدنى شك للمصالح الأمريكية في المنطقة.

– التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن إسرائيل إلى ما لا نهاية، والتي من المُرجّح أن تظل مُطوّقة ومُحاصرة في العقود المقبلة، وهو الشيء الذي سيتطلب من الولايات استمرار الانخراط العسكري والسياسي في المنطقة للحفاظ على أمن الدولة العبرية.

– فشل المخطط الإرهابي الذي صنعته الولايات بمنطقة الشرق الأوسط بعد أن تبنته جهات دينية متطرفة والمناهضة للغرب وسياستهم ومبادئهم الديمقراطية الذي يعتبره التيار الإسلامي المتطرف مخالفا للدين والمبادئ الإسلامية، الشيء الذي دفع الأنظمة السياسية في هذه الدول للتفطن لمثل هذه المخططات القذرة، وتقرن فشلها بقيام الحراك المصري الذي أسقط الرئيس السابق مرسي، حيث قالت هيلاري كلنتون في كتابها الجديد “خيارات صعبة” – شاركنا في ما جرى بالعراق وسوريا وليبيا، لكن ما قام بمصر أضاع كل شيء-

ومن حيث التخوفات التي أظهرها بعض العرب المسلمين  بكل بقاع العالم وبالأخص الجالية المسلمة المقيمة بالولايات، إتجاه السياسة التي من المنتظر أن ينتهجها الرئيس الجديد ضدهم في القادم الأيام، وهذا على خلفية تصريحاته أثناء حملته الانتخابية بقوله “إن الولايات لا ترغب بالعرب والأفارقة المسلمين داخل أراضي الأمريكان…”، ولكن حسب المنطق الدولي والسياسة الأمريكية المنتهجة منذ عقود، يبقى هذا مجرد كلام من رجل لا يعرف حتى تقنيات الكلام ومناهج الخطابات السياسية، وتمثل ألفاظا بعيدة كل البعد عن الواقع والمنطق، خاصة أن الجالية المسلمة في الولايات المتحدة الأمريكية لها وزن كبير، بل وحتى داخل البيت الأبيض هناك شخصيات مسلمة تمثل الولايات في أكبر المحافل الدولية، كما ونجد أيضا أن معظم العملاء الاقتصاديين من رجال أعمال وأصحاب الشركات هم أفارقة مسلمون، ومن دول الخليج، لذا من المستبعد جدا أن تمارس حركة علنية مناهضة للإسلام داخل الأراضي الأمريكية وبالأخص من طرف صناع القرار، لأن اتخاذ أو إعتماد قرارات انتحارية بهذا الشكل،  سوف يدخل الولايات في أزمة داخلية، وهو الشيء الذي لاتحبذه السلطات العليا في هذا البلد. لذا يا عرب كفانا من التهريج والاهتمام بمشاكلنا الداخلية هو الشيء المطلوب في الوقت الحالي، بدل العمالة والتبعية للغرب، والعمل بجد من أجل إستعادة هيبة وقومية العرب على الساحة الدولية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان