اراء وأفكار

في ذكرى اربعينية ابي الاحرار نهج يزيد .. اخطر درس في ثورة الحسين

طارق الاعسم

 

من الخطأ التاريخي الفادح ان نعتقد ان يزيد ابن معاوية كان مجاهراً امام الناس بشرب الخمر , والا لحدثنا التاريخ عن خمارات في الشام (فالناس على اية حال على دين ملوكهم),لقد كان يزيد يلبس العمامة كأحد المسلمين ,وكان يلقب بامير المؤمنين وكان يؤم الناس بالصلاة بمافيها صلاة الفجر. كان يزيد يظهر التدين ويزاود بقصص عن انه ابن كاتب الوحي معاوية.وكان يدير دولة باسم الاسلام ويحكم باسم الاسلام وعنده قاض يقضي وفق قوالب اسلامية ,حتى انه عندما حارب الحسين عليه السلام في واقعة الطف , قاتله باسم الدين باعتبار الحسين عليه السلام خارجياً (معاذ الله) . كان افراد شرطة وجيش يزيد يصلون ويصومون بل انهم لطالما صلوا طيلة مسيرة الحسين عليه السلام حين كانوا يحاذون ركب ابي عبد الله , وكانوا يصلون جماعة لافرادى . وحين قتلوا الحسين قتلوه تحت راية الدين وحين سبوا النساء والاطفال الى الشام قدموهم على اساس انهم سبايا لجيش المسلمين وانهم خوارج مارقون عن ماذا؟…عن الدين!!!.فيصبح حتى قتل الحسين وسبي ذرية رسول الدين ممكناً حين يكون غطاؤك الدين وهنا مكمن الخطر. كانت دولة الشام دولة دينية المظاهر ولم تكن دولة علمانية كافرة ولم يكن فيها عابدون للاوثان .ولو كان الامام الحسين يريد محاربة الاوثان وعباد الاصنام فكان مكان الحرب في مكة (ان وجد من يعبد الاصنام بعد الفتح). اذن مالذي حدث ولماذا خرج الامام الحسين عليه السلام ولماذا قاتل وقتل ؟هل كان يريد ازالة مظاهر الدين الموجودة في شوارع الكوفة والشام ؟هل كان يريد ان يزيل حاكماً مسلماً يصلي ويصوم في الظاهر؟هل كان يريد ان يكون بدلاً عنه اميراً للمؤمنين؟ ان علينا ان نأخذ عبارة الامام الحسين عليه السلام التي قال فيها “ماخرجت اشراً ولابطراً ولكن خرجت للاصلاح في امة جدي رسول الله “على محمل التدقيق والجد والتمعن والتدبر والتفكر ,فالعبارة خطيرة ومهمة . فالحسين احق بالخلافة من يزيد واحق بقيادة الاصلاح على اقل تقدير ولذا ليس من العيب ان يطالب بالحكم , وبالتالي لايصح ان نقول انه لم يطلب الحكم ,فهذا حقه المشروع عند كل المسلمين بل انه عند الشيعة الامامية اولى لكونه اماما مفترض الطاعة موصى به ويجب(اكرر يجب )ان يحكم , بل ان عليه واجبا شرعيا ان يحكم , لذا فليس هنالك من ضير اذا قلنا ان السلطة الدينية والحكم الاسلامي كانت احد اهدافه وادواته المشروعة لاستخدامها كوسائل لتحقيق غايات نبيلة ؟ ولكي نفهم عبارة الحسين عليه السلام بابعادها الحقيقية علينا ان نفهم حقيقة دين يزيد . لقد كان يزيد ممثلاً لحالة الاعوجاج في الحكم ويمثل حالة الفساد باسم الدين وبغطاء وعباءة الدين , وبالتالي فان غرض الامام الحسين كان اعادة الحكم الاسلامي الى السكة الصحيحة التي انحرف بها يزيد . فيزيد كان يصلي ويصوم ويحكم باسم الدين لكن حقيقته كانت في داخل الغرف المظلمة ،متهتكا سكيرا لايقيم للاسلام وللحق وزناً ,كان يحكم بادوات الدين ليسرق ويقتطع مايشاء وليجعل الحكم وراثة وليصبح ملكاً للعائلة والعشيرة والحزب . كان يزيد مثالاً صارخاً لمن يريد ان يأخذ قشور الدين ومظاهر الدين بلا جوهر وبلا عدالة اجتماعية وبلا عفة عن اي فساد مالي واداري ومن ثم يحكم بالمظاهر كأمير للمؤمنين . وكان هذا قمة الانحراف عن جادة الصواب ولابد من ان يتم التصدي للاصلاح وهو ماقام به الحسين وما رسخه في اذهاننا في حديثه عن الاصلاح في امة جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم . اذن فان من المعيب علينا ان ننساق الى اختصار ثورة الحسين عليه السلام بسرديات الطف والسبي فالاصل ان عظمة معركة الطف تنبع من انها معركة الاصلاح بين الزهد والعفة ونظافة ذات اليد (لم اخرج اشراً ولابطراً) من جهة وبين من اخذوا الدين مطية لأهوائهم .كانت معركة بين مسلمين حقيقيين وبين متأسلمين ملؤوا جيوبهم وكروشهم تحت عباءة الدين . لم تكن معركة الطف معركة بين دينين متناحرين بل كان الجميع من الطرفين يحمل راية “لااله الا الله محمد رسول الله”والفرق والبون الشاسع كان بين من يحمل الراية ويطبقها وبين من يحمل الراية ويسخر في افعاله من محتواها . ان عظمة معركة الحسين وخلودها تتأتى من عمومية الفكرة وعمومية الاهداف الخالدة وهي فكرة ومبدأ الاصلاح الذي نادى بها الحسين عليه السلام . ومثل هذه المعارك لاتقف عند جولة ولاعند انتصار فهي معركة لها ديمومة وديناميكية مستمرة الى عهدنا والى قيام الساعة ومن هنا عظمة ثورة الحسين . ان مانراه اليوم في عاشوراء ليدمي القلب حقاً ,فبرغم الاهمية القصوى للشعائر الحسينية العقلانية (بمظاهرها غير الدموية )التي تسهم في احياء ثورة الحسين عليه السلام ,الا اننا نلاحظ ان المنبر الحسيني والقصائد الحسينية (في معظمها وليس كلها للانصاف)يضيِّعان الفرصة تلو الاخرى في استغلال ثورة الحسين ومبادئها الخالدة في الاصلاح ويتلهون ويلهون الناس بالقشور وبالهاب العواطف دونما وعي لخطورة ثورة الحسين . والانكى من ذلك ان الكثير من مدعي الخط الاسلامي الحسيني هم يزيديّو التصرف ,ولاتستغرب حين ترى مسؤولاً هنا وهناك ينهج نهج يزيد في كل خطواته لكنه بارع وكريم في طبخ القيمة . ان من يريد لثورة الحسين ان تنتصر عليه ان يمسك بتلابيب جوهر الثورة ويضع اهدافها نصب عينيه وحينها فقط لن ينخدع باي حاكم حتى لو كان يصلي الف ركعة في اليوم لان المهم هو خلو حسابه المصرفي وحساب ابنائه وعائلته من اموال السحت الحرام ,من اموال الشعب . ومن يمسك باهداف الثوة الحسينية لاينخدع باقوال الحاكم ولكنه ينظر الى افعاله ,وان يقارن افعاله بالظاهر ,وعن افعاله خلف الابواب المغلقة ,والا فماقيمة تدين حاكم اذا كان ابناؤه وازواج بناته وعشيرته يتبخترون تفاخراً ونفوذاً ؟. بل ان علينا ان نعي ان منهج يزيد مازال بين ظهرانينا واضحا في الكثير من سلوكيات الاحزاب الاسلامية وعناصرها في البرلمان والحكومة , وهم يخشون من ان يتنبه المواطنون الى جوهر الاصلاح في ثورة الحسين لان في ذلك نهايتهم والقضاء على نفوذهم , فتراهم يحاولون اغراق العراقيين بقشور الدين والتزيد بالاهتمام بالمناسبات الحسينية واقامة سرادقات العزاء ورعايتها والاشراف عليها وتجييرها لاغراضهم . اننا نحتاج الى ثورة ثقافية اصلاحية تستمد ادواتها من عظمة اهداف ثورة الحسين لترتقي بالانسان ولتجعله اصلاحياً لايرضى بالباطل تحت اي لباس كان وتحت اية يافطة ,وحينها سينمو جيل ايجابي فاعل ينشط للتغيير من اجل مستقبل افضل . وعلينا دحض صك ملكية الاسلاميين لتراث ثورة الحسين , فهو ملك الجميع , بل ان الشعوب التي تنهب اموالها على يد المافيات المتبرقعة بالدين هي صاحبة راية الحسين عليه السلام . السلام على الحسين وعلى اهداف الحسين وعلى مبادئ الحسين وعلى راية الاصلاح التي حملها الحسين عليه السلام.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان