د. أحمد مهدي الزبييدي
ان الإفك الذي تبنته صحيفة الشرق الأوسط يرغمنا على استرجاع زمني ليس ببعيد ، ونعيد قراءته بصورة تنطلق من التجلي العدائي الأخير للتجربة العراقية الجديدة من قبل دول الجوار واحتدام مواقفها المتضادة انطلاقاً من رؤية براغماتية تجاه الشعب العراقي .. فمما لاشك فيه أن التجاذبات السياسية الخارجية تتحرك في الداخل العراقي عبر وسائط طائفية ، تترجم مصالح المرجعيات الخارجية فالنسق ( العروبي ) اتخذ من واقع الاحتلال الامريكي نافذة لمشروعية خطابه الديني / العروبي وهذا ما توزع بين ادوار متعددة بدأت بظاهرة العلماء المسلمين وخطاب الضاري المؤيد لوجود القاعدة في العراق بحجة مقاومة ( المحتل ) وبعد ان تحركت العجلة السياسية بقوة بحراك ديمقراطي انتقل الدور الى الشخصيات السياسية البرلمانية ليتحول الخطاب العروبي من مقاومة المحتل الى مقاومة المشروع ( الايراني ) حتى وصل أوجّه في ساحات الاعتصام المهددة بالقدوم الى بغداد ، ولكن بعد تحول النسق الطائفي من المستوى المضمر الى المستوى المعلن ( داعش ) وتجلي عدوانيته واستحضاره لكل رواسب التأريخ التخلفية سرعان ما فقد ذلك الخطاب شرعيته السياسية ، ومن هنا تبنت الدول المجاورة الخطاب الطائقي بنفسها بعد أن خذلها دمى الداخل ، وبخاصة بعد النجاح الايراني في العراق عبر الدعم المباشر للحشد الشعبي الذي اثبت جدارته القتالية وبمسوغ شرعي مقدس ، فحاولت السعودية اعادة توازنها في الداخل العراقي عبر ( الحشد الوطني ) والدعم التركي له .. ولنتذكر قبيل انطلاق عمليات تحرير الموصل تحول الموقف السعودي الى موقف صريح وسلبي من مشاركة الحشد الشعبي في المعركة الحالية بحجة هيمنة التشيّع ، فابتهجت الخارجية السعودية بالموقف التركي ، الذي خسر الرهان . ومن هنا فالوظيفة الرئيسة لخبر الشرق الاوسط هو الاشارة الى ان النصر العراقي العسكري على داعش لم يكن نصرا عراقيا خالصا ، انما هو نصر ايراني ، يثبتون ذلك بمشهد كنائي يعادل مشاهد ( جهاد النكاح ) عند داعش ، فحقيقة داعش النكاحية لا جدال فيها ولا فسوق وعليه فخبر كثرة حالات الحمل غير الشرعية في المواسم الدينية هي محاولة للتعبير عن التوازن او التقارب بين السلطتين المتقاتلتين .
أقول : ان الخسارات الإعلامية المتتالية نمّى اسلوب الحقد ليتحول الى الوسط الاجتماعي والديني لأجل الطعن في البنية المجتمعية العراقية بصورة مباشرة من خلال الطعن في أقدس المقدسات الانسانية ( الشرف ) لضرب تلك المنظومة التي أنتجت قوّة عسكرية تحبط طرفاً وتمني آخر . لذلك ليس غريباً ان ينتفض الموقف الشعبي بكل مستوياته الثقافية ضد هذه الانتهاكات الحقيرة ، وما سحب المقال من موقع الجريدة الرسمي وكشف زيف مصادرها الا تعبير عن الخسارة الاعلامية التي أصابت أهم صحيفة عربية رسمية . والمضحك جداً أنها قدمت اعتذاراً لمنظمة الصحة العالمية وعاندت في الاعتذار للشعب العراقي وهو يحيي طقسا دينيا تحمله الملايين من المسلمين في أربعينية الحسين عليه السلام . فإذن ليس اعتباطاً أن يظهر الخبر وفي صفحته الأولى في وقت الزيارة ، ليستغل فرصته الأخيرة لمناصرة البقايا الأخيرة لمشروعه الطائفي .
وبعد أن لاكتنا الحروب من ثمانينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا ما الذي اكتسبناه من مناعة فكرية نستطيع بها ان نواجه مرضنا المزمن ؟ ليس لنا من خلاص سوى الانتصار لـ ( الهوية الوطنية ) ونبذ كل المرجعيات الطائفية والآيديولوجية التي لم نجن منها سوى قرابين من الضاحيا لآلهة غيبية تأكل من جسد الوطن ولا تشبع ، وإلى متى نبقى فاغري الأفواه لأنياب الجيران ؟ أما آن الآوان أن نتخذ من ( الوطن ) وحده ولاشريك له إكسيراً ينعش حياتنا ؟ ألم تردد كل الاطراف السياسية العراقية بدولة مدنية ؟ وإلى متى نبقى ، حاكمين ومحكومين ، نشجب وندين ونستنكر وكأننا ( إعلاميين ) نعمل لخدمة الآخر ( الدخيل ) . ونحن نتوزع بين بائع بالدين وبائع بالنقد .. وكم أضحكني رقم المحرر لشرقه الاوسطي ( 169 ) ولا أدري لمَ لم يجعله ( 170 ) فيبدو أن عقله تجاري متأثر باسلوب ( المولات ) حين تضع رقما أقل من العشرية بدولار واحد ليغري زبونه بدقة سعره . وها هو ( المول الأوسط ) يقدم لكم خدمات دقيقة ( 169 ) لاغير .









