محمد فريق .
بعد الحرب العالمية الاولى ، شعر الالمان بمرارة الهزيمة والاهانة ، التي تعرضت لها امبراطوريتهم بعد موافقتها على اتفاقية فرساي او عقوبات فرساي على حد وصفهم ، و التي تسببت في اضعاف جيشها ، وخسارة معظم اراضي دولتهم ، وردا على ما نتج عن الحرب ، وضعف قادة الامبراطورية، توجه الشعب ،الى اكثر الاحزاب والشخصيات حديثا عن التاريخ المجيد لألمانيا ، ومنجزاتها ، وقدرتها ليس على النهوض من جديد داخليا ، بل قيادة العالم او اوروبا على اقل تقدير، و نتيجة لذلك وضع الالمان كامل ثقتهم بحزب العمال الالماني او الحزب النازي الاسم الاكثر تداولا في العالم ، الذي نجح بالفعل في اعادة المانيا الى سابق عهدها و هيمنتها على اوربا, طبعا هذه الاحداث التاريخية ، بدأت تتكرر من جديد لكن بصورة اخرى ، لم تفرضها ظروف الحرب المباشرة ، او خسارة مادية كبيرة، إلا ان وجه التشابه بين الحدثين هو الشعور بعدم الرضا عن سياسة من يدير الدولة. لم تهزم الولايات المتحدة في حروبها الاخيرة ، كما حدث مع الالمان سابقا ، و لم يفرض احد عليها شروطا ، و لم تفقد قوتها او سطوتها الى الحد الذي وصلت إليه المانيا ، و مع ذلك اختار شعبها رئيسا ، ذا ميول قومية ،مناهض لكل ما هو غير امريكي الاصل ،و يسعى بقوة الى اعادة هيمنة بلاده على العالم ،بعد ان تراجعت في عهد سلفه ، طبعا اختيار الشعب الامريكي لترامب لم يكن اساسا سياسيا فقط، بل اقتصاديا ايضا فالسنوات الاخيرة ازدادت اعداد المهاجرين الامر الذي تأثرت معه فرص الامريكان في الحصول على عمل، في ظل منافسة بينهم و ضيوف امريكا الجدد، الراغبين في الحصول على حقوق فشلوا في الحصول عليها في بلدانهم كالعمل والحرية الدينية وغيرها التي بدأ يتخوف منها المجتمع الامريكي و لجأ الى ترامب الذي نجح في كشف تلك المخاوف و ترجمها الى وعود انتخابية اوصلته في النهاية الى البيت الابيض. التغيير الذي شهدته الولايات المتحدة مؤخرا، كان دافعا لدول اخرى تعرضت هي الاخرى لعدة نكسات, سياسية، و اقتصادية، بل حتى امنية، كفرنسا مثلا، التي اختارت المرشح الرئاسي المحتمل فرانسوا فيون المرشح اليميني او النسخة الفرنسية لترامب، الذي استطاع ان يستنهض مشاعر الفرنسيين، و يوجه انظارهم الى الاخطاء التي ارتكبتها الاحزاب الديمقراطية، التي تسببت في فتح ابواب فرنسا للمهاجرين و اللاجئين، ليكونوا فيما بعد سببا في خروقات اقتصادية و امنية كارثية، راح ضحيتها عشرات بل مئات من الفرنسيين, و خير دليل هي حالة الطوارئ, التي تزال قائمة حتى الان؛ لم يكتف المرشح الرئاسي الفرنسي فيون بذلك, بل انتقد السياسة الخارجية لبلاده, التي جعلت من فرنسا اقرب الى الدولة تحت الوصاية, واكد ان فرنسا قوية بما يكفي لتكون في الصدارة, مؤكد ان هكذا تصريحات، تتلاءم مع تفكير و مشاعر الشعب الفرنسي المحبط من السياسات التقليدية، التي حطمت فرنسا داخليا و خارجيا.
الناخب الامريكي او الاوروبي، لا يملك سوى صوته، لكنه، يعرف اهميته و قوته في التغيير الذي يريده لبلاده و ايضا له شخصيا، و تعمد الشعب الامريكي او الفرنسي الى اختيار مرشحين غير تقليديين للرئاسة، لن يكون حدثا عاديا، و سيصحبه تغييرات كبيرة، و تحولات سياسية هامة، سواء داخل تلك الدول، او حتى خارجها، فلكل مرشح نظرته، التي يراها مناسبة لقضايا العالم، الامر الذي ربما يكون بداية جديدة لحل ازمات لم تستطع الطرق الحالية فك عقدتها.









