هشام الطائي
هل يُعيد التاريخ نفسه؟ نعم يُعيد التاريخ نفسه ,والتاريخ هو سجل حوادث من صنع البشر انفسهم, ومدى استجابة الامم للحوادث تعتمد على من يصنعها من حمقى ومُستبدِين ,او علماء ومفكرين ,وحينما يكون هناك حكّام قتلة وقادةً جبناء وعنصريون همّهم الوحيد مصالحهم لا مصالح شعوبهم ,لا يألون جهدا في افساد مجتماعاتهم من خلال أياد خبيثة فيخلقوا بذلك امة متشرذمة ,ويبقى الدين السيء وتعاليمه الممسوخة ,وما ينبثق منها من طوائف ومذاهب ,الحاضنة الساخنة التي تهبُّ منها العجاجة السوداء بين الحين والاخر فتفعل فعلها الخبيث في ازدراء طائفة ما على اخرى او الاقتتال والتطاحن فيما بينها. وفي حادثة طائفية حدث في بغداد ابّان سيطرة الاستعمار الانكليزي, وتحديدا في سوق الشورجة الذي كان يقطنه تجار كبار من كلا الطائفتين, السنية والشيعية, ومعهم من غير المسلمين انذاك متحابين ومتالفين, وكلٌ رزقه على الاخر والكلُ رزقه على الله ,حيث ذكر أن طالبا عراقيا يروم تقديم اطروحته لنيل درجة الدكتوراه في العلاقات البريطانية العراقة, المصخمة من اصلها ,ولم يجد غير ارشيفات وزارة الخارجية البريطانية لينبش في وثائقها لعلّه يجد ضالته في وثيقة تعزز اطروحته ومن جملة ما عثر عليه هذا التلميذ وثيقة يعود تاريخها الى العام 1906 ميلادي وهي مرسلة من الممثلية البريطانية في بغداد الى لندن وتقول المذكرة السرية الاتي:
في شهر محرم من ذلك العام 1906 وفي ايام عاشوراء حيث فيها ذكرى حزينة لدى طائفة الشيعة في العراق نشبت معركة طائفية بين التجار السنة والشيعة راح ضحيتها من القتلى والجرحى عدد لا يستهان به من الطرفين وسبب هذه المعركة كان؛ ان شخصا مجهولا رمى سمكة من نوع ((الجرّي)) في ((حِب)) الماء والحِب ((بكسر الحاء)) آنية مصنوعة من الفخار تملأ بالماء وتوضع في درب المارة لغرض السِقاء .وكما هو متعارف فان هذا النوع من السمك حرام أكله عند الشيعة, فبدأ الامر بالاتهامات من هذا الطرف الى ذاك , وتطور الامر الى الاقتتال ولعدة ايام وسقط من سقط مضرّجا بدمائه ولولا تدخل اهل الصلاح والحكمة من كلا الطرفين لحصل امر لا تحمد عقباه ,واعترفت المذكرة ان احد عمالها الهنود السيخ هو من وضع السمكة ليلا وبتوجيه من الممثلية نفسها والهدف من هذه ((الجرّية)) كان زرع فتنة طائفية في وقت خصب, فأينعت ثمار من الاحاسيس والنزعات الانفعالية والايادي دفعة واحدة مع تغييب للعقل بالكامل. وما أشبه سمكة اليوم بسمكة البارحة ,وبعير اليوم ببعير الامس ,وحمار الحمق هو ذاته حمارالبارحة, فلم تنفع نظرية التطور, ولكن تطورت الطرق والوسائل لاشعال الفتن في بلد كل ذنبه انه ينام على بحيرة من نفط ,بلد كان قدره السيء ان يجاور اشقاء خونة ,وقد استوقد الحسد في قلوبهم . لقد تطورت وسائل خلق الحروب واصبحت اكثر انحطاطا, وذلك باستحمار الاقلام المأجورة والعقول المهزوزة ,المتخفية تحت عباءة الدين والاخلاق ,ومع انهزام عصابات التكفير والظلامية التي بدات بالتقهقر شيئا فشيئا وانفضاح مهنة داعش , واجهت الامة المريضة وللاسف الشديد عصابات الفتن الاعلامية الصفراء التي لا تقل نجاسة وخبثا عن وليدتها الاولى فانبرت الاقلام المنحرفة والافكار الضالة والصحف السوداء بكل ما تحمله من وساخة متاصلة من آبائهم لترمي بشرر من الافتراءات وعلى اولى صفحاتها وكبير عناوينها طعنا بعفاف اهلنا وطهارة طقوسنا الدينية كما نشرت صحيفة الشرق الاوسط السعودية مؤخرا ,ويبدو ان عدد الابقار الانتحارية قد نفد وتلاشى على ارض بلاد الرافدين ,لذا انتهجوا نهج بث السموم والادعاءات الكاذبة, وليس ضروريا ان نعرف من كتب او من ارسل تلك الصورة القاتمة البائسة بل من الضروري ان تقف اقلامنا الحرة ضد تلك الهجمات الاعلامية الهجينة ومن يساندهم من مرتزقة الاحزاب والسلطة ممن حبسوا السنتهم خوفا ورهبا واسكاتا لَقْلَقة ألسنٍ لم تكن وظيفتها الا لحس القِصاع. لا مخرج من هذه المحن والفتن الا التخلص من شآمة حكام التخلف ,وعدم تقديس الذوات الزائلة فانهم وان عدلوا وهو الابعد اليهم رشدا, فلا يستوجب مدحهم وتضخيم رسم وجوههم الكالحة ووضعها على واجهات دورنا, وان ظلموا وذلك اقرب اليهم فلا يستوجب السكوت والركون الى الصبر والاحتساب او انتظار الفرج.









