اراء وأفكار

ساعتان مع مكيافللي

نوزاد حسن

 

اعترف اني قرأت كتاب «الامير» بلا اهتمام لأني وجدته كتابا بسيطا جدا, ولا يحتوي على اعماق تجذب اي قارئ ناهيك عن امراء زمنه. انه كتاب هزيمة كما اظن، فمكيافللي الذي اقصي عن عمله الدبلوماسي اضطر للانزواء في قرية متواضعة. ويبدو انه اراد ان يتقرب من العائلة التي دعمته في يوم من الايام من خلال تقديم كتابه «الامير» الى احد امرائها كما يقول في مقدمة كتابه. ومن خلال كلمات المقدمة القصيرة يظهر مكيافللي بائسا جدا, ومحروما من اي مجد بل ان القرية التي كان يسكنها تحتاج الى نظرة من الامير الذي اهدى مكيافللي الكتاب اليه. وفي الحقيقة لن ابالغ لو قلت ان كتابا بهذه البساطة لا يمكن ان يخلق قناعة لدى اي امير لقراءته او حتى الاستفادة منه.  قد يقال ان الكتاب ابن زمنه, وهو قد قدم صورة لنزاعات الامراء في ايطاليا ايام النبلاء, والاقطاعيين, وعامة الناس. نعم هذا حق لكن ما جاء في الكتاب لا يدل على ان مؤلفه يملك خبرة في فهم الاحداث, ولا يعرف كيف يبلور وجهة نظره. وكنت قبل قراءتي للكتاب اعتقد ان المؤلف سيخوض في تحليل طبائع البشر, وكيف تفسد السلطة اكثر القلوب براءة. في الواقع اعتقدت اني ساقرأ كتابا عميقا كمحيط هادر, وكنت اتلهف لمعرفة تفسير مكيافللي لقضية واحدة هي: كيف يمكن ان يجمع الامير او الوزير او رئيس الوزراء القدرة على التدين, ويكتفي من الدين بقشوره. ويظل يعيش واثقا من انه حاكم بريء جدا. وحين اصر مكيافللي على ان «الامير» لا بد ان يعلن تدينه فهو انما قصد ان يكون هذا الايمان مؤثرا في الناس. ومن ثم يستفيد الامير في نهاية الامر من الدين في جعل ابناء الشعب يشعرون بأنهم يفهمهونه لأن عقيدته تنبع من نفس مصدر عقيدتهم.  الساعتان اللتان قضيتهما مع كتاب مكيافللي لا يمكن اعتبارهما ساعتين من النشوة, بل كانتا وقتا عاديا جدا. وكنت احاول ان انهي الكتاب كمتسابق ليس له ان يقف الا عند خط النهاية وهو الصفحة الاخيرة من الكتاب.  لكن ما اثار استغرابي حقا هو وجود طبقة سياسية تجاوزت فكر الدبلوماسي البائس المعزول في قرية ايطالية. اليوم نعيش ما هو اقسى من فصول ما قرأته في كتاب مكيافللي، فكتاب السياسة اليوم لا يحمل لثقله, وفيه ما فيه من عجائب وغرائب.

   ومن المؤسف ان يكون كل ما جاء في كتاب «الامير» عبارة عن افكار سطحية تتعلق بكيفية ابقاء الامير في منصبه دون قتله او عزله. لكن ملاحظة مكيافللي عن اهمية اعتماد «الامير» على شعبه, وعدم ارهاقه او استغلاله كي لا يتخلى عنه في وقت الشدة كانت ملاحظة واقعية. الا ان عصر الحرب الذي ولد كتاب «الامير» من رحمه كان قوي التأثير بحيث ان المؤلف كان يصر على بناء جيش قوي لحماية الناس من اي عدوان.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان