اراء وأفكار

الحدود.. القصة التي لا تنتهي

محمد الكاظم

 

انا اعلم ان هذا المقال سيزعج الكثيرين ممن يتعاطون الشعارات الحماسية والأحاديث المنفعلة، خصوصا ما يتعلق منها بالسيادة ، فالأزمة الاخيرة التي اثيرت حول «خور عبدالله» اعطتني دليلا جديدا على اننا لا نستفيد من تجارب التاريخ، فرغم كل ما مر به العراق من تجارب سيئة وحروب خسرنا فيها كل شيء ، الا ان هناك اليوم من هو مستعد لإشعال حرب جديدة مع الكويت للحفاظ على خور عبد الله الذي قد لا يعرف الكثير من المتحمسين مدى اهميته الستراتيجية للعراق وربما لا يعرف البعض مكانه على الخريطة، لكن هؤلاء يملؤون الاجواء المحتقنة أصلا، بالكثير من الصخب. 

وهذا الحماس ليس ناجما بالضرورة عن تقدير اهمية هذا المنفذ المائي للعراق الذي خنقته ظروف الجغرافيا والتاريخ في هذا الخانق الذي جعل أهله يصبحون حساسين تجاه اطلالة بلادهم على الخليج، ولكن هذا الحماس ناجم في بعض الاحيان عن الرغبة في التخندق بعد ان انقسمنا امام هذا الملف كالعادة لفريقين متحاربين عبر كل الوسائل المتاحة. ودخلنا في جدل سياسي وتاريخي وقانوني وحزبي وإعلامي غير مثمر، خصوصا ان مثل هذه القضايا سرعان ما تصبح قضايا رأي عام تساهم في إثارة التوتر في المشهد كله بوجود آراء لا تفرق بين ما يقال للاستهلاك المحلي او الخصومات الحزبية، وبين مواقف تترتب عليها مواقف دولية صارمة. حتى وصل الأمر الى ان يهدد احد النواب باستقلال محافظة البصرة ان لم تحل قضية خور عبدالله وفق الرؤية التي يتبناها.  

للأسف لعنة السياسة في العراق اصابت الكثيرين منا بضيق الافق. وصرنا ننظر للمكاسب اللحظية او القريبة متناسين الاستحقاقات والتحديات ذات الطابع الستراتيجي والتي تعني العراق والكويت كدولتين جارتين .كما ان لعنة الثاني من أب 1990 مازالت ماثلة وثقافتها لا تزال تتنفس وأطرت علاقة العراقيين والكويتيين بالكثير من التوجس المتبادل الذي نحتاج الى اجراءات حقيقية للتخلص منه عبر محاولة ايجاد حلول بالطرق العادلة التي يتفهم فيها كل ظرف ظروف الآخر. لسبب بسيط هو اننا لا نستطيع تغير واقع الجغرافيا. فنحن جيران لبعض ولا يستطيع الطرفان تغيير هذا الواقع. والطرفان ضحية لديكتاتورية النظام السابق ومن المنطقي للطرفين ان تكون الملفات العالقة بين البلدين اساسا للتقارب لا لتفجير الازمات.

التوجهات الحماسية لا تنتج لنا شيئا كعراقيين  ببساطة: ماذا نستطيع ان نفعل اكثر مما فعله صدام حسين الذي احتل الكويت بين ليلة وضحاها وحولها الى محافظة؟. النتيجة هي اننا ندفع الثمن غاليا وقاسيا منذ 27 عاما وحتى الان نتيجة لحماقة صدام ونظامه. بنفس الوقت على الكويتيين ان يفهموا ظروف العراق الضاغطة وتعقيداته المستمرة وان يتفهموا رغبته بتحقيق الاستقرار وتحسين ظروفه الاقتصادية عبر السعي للبحث عن حل عادل ودائم لمشاكل الحدود والمياه الاقليمية لأن الحاجة العراقية الى المنفذ البحري لن تنتهي بحل تقليدي. فالحلول التقليدية قد تؤجل المشاكل لكنها لا تنهيها.

وربما يعرف الباحثون في البلدين ان تاريخ الجوار العراقي الكويتي حافل بالأحداث الدراماتيكية منذ بدايات تأسيس الدولة في البلدين وحتى الان . كما ان ضمانات اغلاق تلك الملفات ما تزال محدودة في ظل استمرار أصل المشكلة رغم العلاقات الطيبة والايجابية الحالية بين الحكومتين والشعبين. فما جرى بعد 2003 بين البلدين كان محاولة لترميم ما خربه النظام السابق ولم يسهم في ايجاد حل للمشكلات الاساسية التي يشعر الكثير من العراقيين ازاءها بالانزعاج. ومن اهمها الشعور بأن قرار مجلس الامن 833 عام 1993 كان مجحفا بحق العراقيين لأنه اقتطع اجزاء من اراضيهم لصالح الكويت وهذا ما انسحب على الاطلالة البحرية العراقية التي تقلصت. وللكويتيين ايضا هواجسهم التي لا تجعلهم مطمئنين للجار الشمالي بوجود متطرفين ينظرون للعراق من نافذة تجربتهم القاسية مع النظام السابق، ومتطرفين آخرين سقطوا في فخ الاستقطاب المذهبي فصاروا ينظرون بارتياب لطبيعة الحكم الحالي في العراق.

اعتقد ان الطرفين تفاعلا على الصعيد السياسي مع ظروف الوقت الراهن وتجاوزا عقدة التأريخ . لكن هناك حاجة لتجاوز عقدة المخاوف والارتياب المتبادل والبحث عن حلول غير تقليدية لمشاكل الحدود. وبناء شراكات اقتصادية وتحويل النقاط الخلافية الى نقاط تحقق المصالح المشتركة. ما المانع مثلا في التفكير في ميناء عملاق مشترك يتقاسم الطرفان عائداته بنسب يتم الاتفاق عليها؟ أليس الاتفاق على الحصص اسهل من الاتفاق على ترسيم الحدود؟.

ما المانع مثلا من اقامة مناطق تجارية وصناعية حرة معفية من الرسوم في المناطق الحدودية المختلف عليها واستغلال الموقع الجغرافي للبلدين باعتبارهما يشكلان جزءا من حلقة الوصل التي تربط الكثير من طرق النقل

 العالمية؟.

ما المانع من التفكير في عشرات الافكار ذات الطابع الاستثماري التي يمكن ان تعزز الروابط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين البلدين، وتحقق مصالحهما المشتركة وتفعل من دورهما في المنطقة وتنهي مشاكل لا طائل من وراء اثارتها بين فترة وأخرى؟.   

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان