اراء وأفكار

خصخصة الكهرباء ترويض لثقافة الترشيد

عبد الجبار نوري

 

   جراحات العراق كثيرة وعميقة وثقيلة ربما بوزن وجوده الأزلي منذ الأستاذ كلكامش لحد بريمر شريف روما، وربما أقساها ألماً “مشكلة الكهرباء” التي دفعت بلعابة الصبر أن تنتحر. فالكهرباء هو بالتأكيد الشريان الرئيسي لكل مفاصل الحياة ، وأنهُ الداينمو المغذي لها ، بل أوكسجين رئة الدولة ، وأصبحت المشكلة العصيّة على الحكومات المركزية المتعاقبة منذ 2003 ناشرة تداعياتها المرّة خلال 14 سنة عجاف عاقدة حلفاً  غير مقدس مع حرارة جهنم العراق 60 درجة مئوية ومع زمهرير أسكندنافيا تحت الصفر ، وحكومات الغفلة العراقية عاجزة في مواجهة أزمة الطاقة المفتعلة بالرغم ما تمّ إنفاقه من المال العام بحوالي 37 مليار دولار ، لعمري أنها ميزانية ثلاث دول مجاورة ، وثمة هذيان أنها تبني مليون شقة سكنية ، و20 مستشفى تخصصيا ، و10 آلاف مدرسة ، وتعيد إحياء مصانعنا المقفلة ووووو لك الله يا عراق وتبقى الحكومة في موضع الاتهام بجعل العراقي يتحسر ويقبل اللجوء في المنافي ويتجرع كأس الغربة بموت بطيء كل يوم .وثبت للقاصي والداني أن وزارة الكهرباء من أفسد الوزارات ، ومن أغرب العجائب أن تكون خلية الأزمة خارج العراق وفي عمان ( ناكرة الجميل ) لكونها مزادا علنيا لبيع الشرف والغيرة الوطنية في بيع وشراء الوزارات السيادية في فندق فور سيزن  لمن يدفع السقف الأعلى في المزاد ، إضافة إلى خضوع وزارة الكهرباء للمحاصصة الطائفية ، وتغافل تلك الحكومات عن البحث عن بدائل الطاقة. ويتضح أن المسؤولية مشتركة بين المواطن والحكومة ، فهذه سلبيات المواطن في مواجهة الأزمة :

1 -غياب ثقافة الترشيد في استهلاك الكهرباء وهو معطيات غياب ثقافة المواطنة ، باقتناء الأجهزة الكهربائية بشكل مسرف ومفرط حيث لا يكون غريباً في منزل مساحته 100م2 أربعة سبلتات وثلاث ثلاجات وأكثر من تلفزيون عملاق وغسالات ووووو  .

2 – التجاوز على خطوط النقل والتوزيع .

3 – الامتناع عن تسديد فواتير الطاقة المستهلكة من قبل مؤسسات الحكومة والمواطنين .

4 – البناء العشوائي الذي يقف وراءه بعض المسؤولين لأغراض إنتخابية .

5 – تجاوز بعض المحافظات على حقوق المحافظات الأخرى واستحقاقاتها لحصة الكهرباء ، حسب قوة الكتلة التي تحكم.

6 – تلاعب أصحاب المولدات بسعر الأمبير الواحد .

ولماذا لا نتعلم من الشعوب المتقدمة حضاريا بل نقلدها فقط بهوامشها ، فلننظر إلى الشعب الياباني في أيام ” التحدي الثلاثي ” سنة 2011 في شهرٍ واحد تسونامي وزلزال وتسرب المفاعل النووي في ( فوكوشيما ) ، علما أن الشعب الياباني متمرس بثقافة الترشيد والتي هي جزء مهم من ثقافة المواطنة ، فهم متعودون على تمرد الطبيعة فيلزم على الياباني طواعية التأقلم والمعايشة مع تلك النكبات واحتواء آثارها ، حيث أن الحكومة لم تطلب منهم ترشيد استهلاك الطاقة بل بالعكس خفضت سعر الأمبير الكهربائي ،بيد أن الشعب رفع فيشة كهرباء المنزل واستعاض عنها بالتورش اليدوي ، والغى الطبخ والتعويض عنه بالوجبات السريعة كل ذلك لأجل توفير الكهرباء لرياض الأطفال والمشافي ، مع حكومة تتقن فن إدارة الأزمات وهو فرع تخصصي يدرس منهجيا في الجامعات اليابانية وكذلك في جامعات العالم ، ولم تعتمد الحكومة على استيراد المصادر التقليدية للطاقة كالنفط والغاز الطبيعي في مجال توليد الطاقة الكهربائية، بل اتجهت إلى البدائل توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية ، ورغم ان حكومة الحزب الديمقراطي لم تقصر في معالجة الأزمة في 2011 الا انها قدمت استقالتها خجلاً من الشعب وخسرت انتخابات 2013 ، لكونها اعترفت بالتقصير.

وأخيرا أجد من الضروري خصخصة الكهرباء للقطاع الخاص بشرط تحديد سعر الأمبير من قبل الحكومة ، وهذا مما يجعل المواطن مرغماً ومسؤولا وحريصاً،على احتياجاته من استهلاك الطاقة ، وإنها تجربة ناجحة جداً في أغلب الدول الأوربية وبعض الدول النامية ، وتشكل مردوداً مالياً للحكومة، للتخلص من السرقة ونهب المال العام وحل مشكلة الكهرباء المستعصية عندنا فقط .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان